مراجعة قانونية لمجالس المحافظات
احسان الهيكلي
في النظم الديمقراطية الرصينة والتي نقرأ عنها كثيراً ، لا تُعد المؤسسات العامة غاية بحد ذاتها ، بل هي مجرد وسائل قانونية وإدارية لتحقيق المصلحة العامة وعليه ، فإن أي مؤسسة يثبت تعارض وجودها مع مقتضيات الكفاءة والفاعلية وترشيد الإنفاق العام تصبح مشمولة بحق المراجعة والتقويم ، خاصة من قبل الاشخاص اللذين تجمعت لديهم خبرات دستورية وقانونية على مدى سنوات عمرهم المهني , وذلك انسجاماً مع المبادئ الدستورية الحديثة التي تجعل المصلحة العامة المعيار الأعلى لاستمرار المؤسسات , أو الغائها او إعادة تنظيمها .
في هذا السياق ، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر الجدية في استمرار مجالس المحافظات في العراق ، استناداً إلى جملة من الاعتبارات الدستورية و القانونية والإدارية والمالية والمجتمعية ، فقد أظهرت التجربة العملية الممتدة لسنوات طويلة وجود تداخل واضح بين صلاحيات هذه المجالس وصلاحيات المحافظ والأجهزة التنفيذية المحلية ، الأمر الذي أسهم في خلق إرباك تشريعي وتنفيذي واضح انعكس سلباً على كفاءة الإدارة المحلية وسرعة اتخاذ القرار ، كما أثبتت الوقائع أن العديد من الخلافات والصراعات المؤسسية داخل المحافظات كانت نتيجة مباشرة لازدواجية مراكز القرار وتعدد جهات الرقابة والتوجيه والتقييم .
صورة دورية
من الناحية المالية ، تتحمل الخزينة العامة أعباء كبيرة نتيجة رواتب ومخصصات أعضاء المجالس ومكاتبهم وموظفيهم ونفقاتهم التشغيلية ، فضلاً عن التكاليف المرتفعة المرتبطة بإجراء انتخابات مجالس المحافظات بصورة دورية , وفي ظل التحديات الاقتصادية والضغوط المالية التي تواجه الدولة العراقية في الوقت الحاضر ، فإن مبدأ ترشيد الإنفاق العام يقتضي إعادة تقييم جدوى استمرار هذه المؤسسة قياساً بحجم ما تحققه من منفعة فعلية للدولة والمواطنين .
أن حصيلة التجارب السابقة تشير إلى أن الإنجازات التنموية والخدمية والتشريعية والاقتصادية المنسوبة إلى مجالس المحافظات ظلت محدودة قياساً بحجم الموارد المالية والبشرية المخصصة لها ، ويضاف إلى ذلك أن البنية الإدارية والاجتماعية والسياسية والثقافية والنفسية للمحافظات العراقية لا تكشف عن حاجة موضوعية ماسة إلى وجود حلقة مؤسسية إضافية بين السلطة التنفيذية المحلية والسلطة الاتحادية ، خصوصاً مع إمكانية تعزيز أدوات الرقابة القانونية والإدارية بوسائل أقل كلفة وأكثر فاعلية .
إن الدعوة إلى إلغاء مجالس المحافظات لا تمثل خروجاً على الديمقراطية ، بل انها ممارسة ديمقراطية مشروعة تقوم على مراجعة عمل المؤسسات وتقييم وتقويم أدائها وفق معايير الكفاءة والمصلحة العامة , فالديمقراطية الحقيقية لا تتمثل في الإبقاء على المؤسسات مهما كانت نتائجها وانجازاتها ، بل في امتلاك الشجاعة القانونية لإعادة هيكلتها أو إلغائها متى ثبت أن كلفتها السياسية والإدارية والمالية تفوق المنافع المتحققة منها ، والله من وراء القصد .
محام