بناء السيادة القانونية.. مطرقة التاريخ وسندان الحاضر
نبيل رحيم العبادي
قبل أكثر من عقدين من الزمان، وتحديداً في ربيع عام 2003، أقدمت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة حاكمها المدني بول بريمر، على خطوة لا تزال تداعياتها ترخي بظلالها الثقيلة على بنيتنا القانونية والأمنية. لقد أصدر الحاكم المدني آنذاك جملة من الأوامر التي جمدت بموجبها فصولاً كاملة من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
لم يكن ذلك مجرد قرار إداري عابر، بل كان جراحة عميقة في جسد القانون دون تخدير، استؤصلت بموجبها النصوص التي تحمي هيبة الدولة وأمنها القومي، بدعوى أنها كانت أدوات قمع في العهد السابق.
إن المتأمل في الأمر رقم 7 الذي أصدره بريمر، وهو الأداة التي علقت العمل بعشرات المواد العقابية، يكتشف بسرعة أن المشكلة لم تكن في فلسفة التجريم ذاتها، بل في كيفية صياغة النصوص القديمة واستغلالها.
خنق حريات
صحيح أن قانون العقوبات كان يتضمن مواد فضفاضة استُخدمت لخنق الحريات، كتلك التي تجريم هانة الحزب أو نشر أفكار مخالفة لكنه في المقابل كان يضم فصولاً تمثل العمود الفقري لأي دولة ذات سيادة، أبرزها المواد (156-189) المتعلقة بالجرائم الماسة بأمن الدولة، من تخابر مع دولة أجنبية، وإفشاء أسرار الدفاع، وتهديد الأمن القومي، مروراً بالمواد الرادعة لتجارة المخدرات. لقد جرى التجميد بآليتين: الأولى مباشرة بنص صريح، والثانية غير مباشرة من خلال حل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية التي كانت تتولى إنفاذ هذه النصوص، مما أوجد فراغاً تشريعياً وأمنياً قاتلاً.
فراغ دستوري رغم وضوح النص
المفارقة الكبرى، وأقولها بكل أسف كممارس للقانون، أن الحكومات المتعاقبة بعد 2005 تعاملت مع هذا الفراغ وكأنه قدر محتوم، بينما الدستور العراقي الدائم كان ولا يزال يمنح المشرّع سنداً قوياً لملء هذا الفراغ. فالمادة (9/ثانياً) تقطع بأنه (لا يجوز للعراق أن يكون مقراً لأي قواعد عسكرية أجنبية) والمادة (15) تحظر أي نشاط يهدد الأمن الوطني، فيما تلزم المادة (7) الدولة بمكافحة الإرهاب والتطرف. هذه النصوص تشكل أمراً دستورياً ضمنياً للمشرع ببناء سياج قانوني يحمي كيان الدولة. إن ترك الجرائم الماسة بالأمن القومي دون نصوص عقابية متخصصة، وإرغام قضاتنا الأجلاء على الاجتهاد في تكييف التخابر مع الخارج أو تجارة المخدرات العابرة للحدود تحت مواد عامة، هو تقصير تشريعي لا يليق بدولة عريقة كالعراق. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: كيف يعاقب القانون من يسرق هاتفاً نقالاً، بينما يجد المشرّع نفسه عاجزاً عن ملاحقة من يبيع أسرار البلاد الاقتصادية أو الاستخباراتية لجهات أجنبية عبر الفضاء السيبراني؟ هذا الاختلال في ميزان العدالة يهدد هيبة الدولة في الصميم.
بين حماية الوطن واحترام الإنسان
إنني إذ أتناول هذا الموضوع، لا أدعو البتة إلى استنساخ النصوص القديمة بحذافيرها، فذلك خطأ مهني وسياسي فادح. إن الزمن الذي نعيشه يتطلب تشريعاً من طراز جديد، ينتمي للقرن الحادي والعشرين، يحمي الدولة ويحترم الإنسان في آن واحد. إن إعادة تفعيل المواد المجمدة ينبغي أن تفهم على أنها عملية ولادة تشريعية جديدة، تنتج «قانون حماية الأمن القومي والمناعة الوطنية»، يكون عصرياً في أدواته، دقيقاً في تعريفاته، إنسانياً في فلسفته العقابية. دعونا نكون واضحين: تجريم التخابر مع دولة أجنبية لا يتعارض البتة مع حرية الرأي، شريطة أن نعرف (الدولة المعادية) بإجراءات قضائية صارمة وأدلة قاطعة، لا بمزاج سياسي متقلب.
وتجريم إفشاء الأسرار الدفاعية لا يصادر حق الصحفي في النقد، متى وضعنا تعريفاً منضبطاً للمعلومة السرية التي يمس كشفها الأمن القومي.
مخدرات تهدد النسيج الاجتماعي
أما في مجال المخدرات، فالوضع أكثر إلحاحاً وألماً. لقد تحول العراق، بفعل هذا الفراغ القانوني والأمني، من مجرد ممر لتهريب المخدرات إلى ساحة استهلاك وإنتاج، تنخر في عظام شبابنا وتضرب النسيج الاجتماعي في مقتل. إنني أقف هنا لأنادي، بصفتي خبيراً قانونياً وإنساناً، بضرورة إعادة هيكلة الردع العقابي في هذا الملف.
لا يمكن أن تبقى المواد المبعثرة في قانون العقوبات هي السند الوحيد. المطلوب هو قانون شامل لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، يدمج بين العقوبات الرادعة للتجار والمهربين الدوليين، ويقدم في الوقت ذاته مقاربة إنسانية للمدمنين، تفرض العلاج والتأهيل كبديل عن الحبس في حالات التعاطي البسيط، لتخفيف الضغط على سجوننا وإعادة إدماج ضحايا هذه الآفة في المجتمع. إن التاجر الذي يغسل أموال المخدرات عبر واجهات استثمارية، وهو على صلة بشبكات إقليمية، يرتكب جريمة ضد الإنسانية بقدر ما يرتكب جريمة ضد القانون.
رؤية للمستقبل: قضاء متخصص وسياج قانوني متين
ختاماً، أقول بكل وضوح: لا قيمة لقانون على ورق دون جهة قضائية وأمنية قادرة على إنفاذه. إن مقترحي المتواضع الذي أرفعه لصانع القرار هو البدء فوراً بصياغة مشروع قانون جديد كلياً، يُعرض على مجلس النواب، ويأخذ بنظر الاعتبار أحكام المحكمة الاتحادية العليا وتفسيراتها، ويستفيد من الخبرات الدولية في مكافحة التجسس والجريمة المنظمة، مع ضمانات محاكمة عادلة لا تقبل المساومة. هذا المشروع يجب أن يقترن بإنشاء ( جهاز ادعاء عام مختص بقضايا أمن دولة العليا ) ، ومحاكم جزائية مختصة بقضايا التخابر والمخدرات، تعمل بسرعة وحرفية. إن إعادة بناء السيادة القانونية للعراق لا تعني الانتقام من الماضي، بل تعني أن نتعلم منه لنصنع درعاً وطنياً يحمي حاضرنا ومستقبلنا. آن الأوان ليبسط القانون هيبته على كل من تسول له نفسه العبث بأمن هذا الوطن أو عقول أبنائه، بيد من حديد، لكن بقفاز من عدل.