كردستان ضد الطائفية بحزم.. نموذج التعايش وصمام أمان العراق
عرفان الداوودي
في زمنٍ تتصاعد فيه الخطابات المتشنجة وتُستحضر فيه الانقسامات الطائفية كأدوات للصراع السياسي، يبرز إقليم كوردستان بوصفه تجربة مختلفة في إدارة التنوع، قائمة على مبدأ المواطنة والتعايش، لا على الفرز الطائفي أو القومي. فالإقليم لم يكتفِ برفض الخطاب الطائفي نظرياً، بل ترجم هذا الموقف إلى سياسات عملية وسلوك مجتمعي واضح، جعله ملاذاً آمناً لملايين العراقيين من مختلف الانتماءات.
منذ سنوات، وخاصة بعد أحداث اجتياح تنظيم داعش للعراق 2014، استقبل إقليم كوردستان أكثر من مليوني نازح من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وبغداد وديالى، إضافة إلى آلاف المسيحيين والإيزيديين وغيرهم من الأقليات الدينية والقومية. هؤلاء لم يُستقبلوا كـ”آخرين”، بل كأبناء وطن، عاشوا في مدن الإقليم دون أن يُسألوا عن طائفتهم أو قوميتهم، ودون أن يُفرض عليهم خطاب كراهية أو تمييز.
هذا الواقع لم يكن صدفة، بل نتيجة رؤية سياسية واجتماعية متجذرة. فقد أكد الزعيم الكوردي مسعود بارزاني في أكثر من مناسبة أن “الاعتداء على أي مواطن عربي هو اعتداء عليه شخصياً”، في رسالة واضحة تعكس عمق الالتزام بحماية الكرامة الإنسانية بعيداً عن أي تصنيف ضيق. هذا الموقف لم يكن شعاراً، بل قاعدة أخلاقية وسياسية تُرجمَت إلى ممارسات يومية في مؤسسات الإقليم ومجتمعه.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن إقليم كوردستان لعب دوراً محورياً في استيعاب النازحين وتوفير بيئة آمنة لهم، رغم التحديات الاقتصادية والأمنية التي واجهها. كما تؤكد منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان أن الإقليم حافظ على مستوى عالٍ من الاستقرار مقارنة بمناطق أخرى، بفضل سياساته المعتدلة ورفضه لخطاب التحريض.
إن ما يميز تجربة كوردستان ليس فقط احتضانها للتنوع، بل أيضاً موقفها الحازم من استغلال أراضيها لنشر الكراهية أو الإساءة إلى الرموز الدينية والمراجع. فالإقليم يدرك أن أي تساهل في هذا الجانب قد يفتح الباب أمام الفتنة، ولذلك يتعامل مع هذه القضايا بمسؤولية عالية، حفاظاً على السلم المجتمعي وصورته كمنطقة استقرار.
وفي وقتٍ لا تزال فيه بعض المناطق تعاني من آثار الانقسام الطائفي، تقدم كوردستان نموذجاً يمكن البناء عليه وطنياً، نموذجاً يضع الإنسان في مركز الاهتمام، ويؤمن بأن قوة المجتمع تكمن في تنوعه، لا في إقصاء مكوناته.
إن ترسيخ هذا النهج لا يخدم الإقليم وحده، بل يشكل ركيزة أساسية لاستقرار العراق ككل. فحين تنتصر ثقافة التعايش على الطائفية، يصبح الوطن أقوى، وتصبح الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات. وكوردستان، بما قدمته من تجربة واقعية، تثبت أن هذا الخيار ليس حلماً، بل واقعاً يمكن تحقيقه بالإرادة السياسية والرؤية الواضحة.