الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حبٌ منْ خلفِ المسافاتِ

بواسطة azzaman

حبٌ منْ خلفِ المسافاتِ

محمد خضير الانباري

 

يعدُ أصعب أنواعِ الحبِ ليسَ ذلكَ الذي ينتهي بالفراق، بلْ ذاكَ الذي يبدأُ مستحيلاً منذُ اللحظةِ الأولى، حينَ تدخلِ امرأةٍ إلى قلبِ رجلٍ دونَ استئذان، فتحتلُ روحه كاملة، أوْ بعكسِ ذلك، بينما تقفُ بينهما مسافات لا ترى، لكنها أقسى منْ الجدرانِ والحدود.

   لا يجمعهما سوى صوتٍ يمرُ عبرَ الهاتف، ورسائل تختبئُ فيها نبضاتُ القلب، وأمنيات صغيرة تموتُ كلَ ليلةٍ بصمت، هوَ حبٌ لا يعرفُ اللقاء، ولا يملكُ رفاهيةَ العناق، لا يدينُ تلتقيان، ولا عينينِ تتأملانِ بعضهما طويلا، ولا تفاصيل دافئة تعاش، كما يعيشها العشاقُ فقطْ خيال واسع، وصوت يكفي أحيانا؛ ليربكَ القلبَ أكثرُ منْ ألفِ لقاء.

    في هذا النوعِ منْ الحب، يصبحُ الهاتفُ وطنا كاملا، رنة واحدة قادرة على تغييرِ يومٍ بأكمله، وكلمة اشتقت لك تشعلُ داخلَ الروحِ حروبا منْ الحنين، يعيشُ العاشقُ منتظرا ظهور اسمها على الشاشة، كأنَ الحياةَ لا تبدأُ إلا حينَ تتحدث.

   ومنْ أجملَ ما يقتربُ منْ فكرةِ " المسافاتِ غيرِ المرئيةِ " و " العوائق التي تفصلُ القلوبَ " قول امرئ القيس: أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل

           وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

   إنَ الألمَ الحقيقيَ ليسَ في البعدِ وحده، بلْ في العجزِ في حبِ امرأةٍ بجنون، وتعرفٍ أنك لا تستطيعُ الوصولَ إليها، وهيَ أيضا لا تستطيعُ الوصولَ إليك، كلاكما يحملُ الآخر في قلبه، لكنَ الطرقَ مغلقة، والظروف أقوى منْ الأمنيات، فتتحولُ المشاعرُ إلى سرٍ جميلٍ ومؤلمٍ في آنٍ واحد.

   ربما تضحكُ أمامَ الناسِ بينما في داخلك ألفُ قصةٍ لمْ ترو، وتبدو هادئا بينما قلبك يركضُ نحوها كلَ ليلة، تحبها بصمت، تخافُ عليها بصمت، وتشتاقُ إليها بصمتٍ … حتى يصبحَ الصمت نفسه لغة بينَ روحين.

   إن هذا الحبُ لا يشبهُ العلاقاتِ العادية، لأنهُ لا يقومُ على اللقاءاتِ الكثيرة، بلْ على الإحساسِ العميق، على ذلكَ الشعورِ الذي يجعلك تبتسمُ منْ رسالةٍ قصيرة، وتحزنُ منْ تأخرِ رد، وتغارُ منْ العالمِ كله؛ لأنها ليستْ بقربك.

    ورغمَ كلِ الألم، يبقى هذا الحبُ صادقا بشكلٍ مخيف، لأنَ الإنسانَ لا يتعلقُ بصوتٍ فقط، إلا إذا كانتْ الروحُ قدْ وجدتْ نصفها الآخر، وربما لهذا السببِ يبقى الحبُ البعيد، أكثر أنواعِ الحبِ نقاءً … لأنهُ خالٍ منْ المصالح، قائم فقطْ على الشوقِ والانتظارِ والوفاء.

وفي النهاية، يبقى السؤالُ الذي يؤلمُ كلٍ عاشق: كيفَ يمكنُ لقلبينِ أنْ يكونا قريبينِ إلى هذا الحدِ … بينما بينهما عمرُ كاملٍ منْ المسافات، ونختمها ببيتينِ منْ الشعرِ للشاعرِ قيس بن الملوح:

وَقَد يَجمَعُ اللَهُ الشَتيتَينِ بَعدَما

يَظُنّانِ كُلَّ الظَنِّ أَن لا تَلاقِيا

 

 


مشاهدات 57
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/06/09 - 2:44 PM
آخر تحديث 2026/06/10 - 1:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 9048 الكلي 15884529
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير