الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سعي الإنسان للخلاص من الموت... من جلجامش إلى يومنا هذا

بواسطة azzaman

سعي الإنسان للخلاص من الموت... من جلجامش إلى يومنا هذا

عباس النوري

 

منذ أن وعى الإنسان نفسه، ووقف متأملًا السماء والنجوم وتعاقب الفصول، كان هناك سؤال يرافقه في كل عصر وحضارة:

لماذا نموت؟

وربما لا يوجد سؤالٌ أثار من القلق والتأمل والبحث ما أثاره هذا السؤال البسيط في ظاهره، العميق في جوهره.

في أقدم الملاحم التي وصلت إلينا من بلاد الرافدين، نقف أمام جلجامش، الملك القوي الذي ظن أن القوة قادرة على هزيمة كل شيء. لكن موت صديقه أنكيدو كشف له حقيقة لم يكن مستعدًا لمواجهتها: أن الإنسان، مهما بلغت قوته، يبقى كائنًا فانياً.

لم يكن حزن جلجامش على صديقه وحده، بل كان حزنًا على نفسه أيضًا. فقد رأى في موت أنكيدو صورته القادمة، وأدرك أن المصير الذي أصاب صديقه ينتظره هو الآخر.

ومنذ تلك اللحظة بدأ رحلته الشهيرة بحثًا عن الخلود.

لم يكن جلجامش أول من خاف الموت، ولن يكون الأخير. لكنه كان من أوائل من عبّر عن هذا الخوف بوضوح، وكأنه يتحدث نيابة عن البشرية كلها.

ومع مرور القرون لم يتوقف الإنسان عن مطاردة الفكرة نفسها.

بحث الفراعنة عن الخلود في الأهرامات والطقوس الجنائزية. وسعى الحكماء والفلاسفة إلى فهم معنى الحياة والموت. وتحدثت الأديان عن البعث والحياة الأخرى بوصفها امتدادًا لرحلة الإنسان.

أما العلماء فحاولوا مواجهة الموت بطريقتهم الخاصة؛ فاكتشفوا الأدوية، وطوّروا الجراحة، وأطالوا متوسط الأعمار، وما زالوا يسعون إلى فهم الشيخوخة وأسبابها.

لكن السؤال بقي حاضرًا:

هل كان الإنسان يبحث فعلًا عن الخلود الجسدي، أم كان يبحث عن الطمأنينة أمام فكرة الفناء؟

في عصرنا الحديث لم يعد الإنسان يبحث عن عشبة الخلود كما فعل جلجامش، لكنه ما زال يبحث عن وسائل مختلفة للهروب من النهاية.

فمنهم من يسعى إلى تخليد اسمه في كتاب أو عمل أو إنجاز. ومنهم من يترك أثره في أبنائه أو طلابه أو مجتمعه. ومنهم من يعتقد أن الذكرى شكل من أشكال البقاء.

وكأن الإنسان أدرك مع الزمن أن الجسد يرحل، لكن الأثر قد يبقى.

العجيب أن آلاف السنين لم تغيّر جوهر المشكلة.

لقد تغيرت المدن، وتبدلت الحضارات، وتطورت العلوم بصورة مذهلة، لكن الإنسان ما زال يقف أمام الموت بالحيرة نفسها التي وقف بها جلجامش قبل آلاف السنين.

وإذا كان جلجامش قد بحث عن الخلود خارج نفسه، فإن كثيرًا من المفكرين والأدباء لاحقًا بحثوا عن معنى يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش رغم محدوديتها.

وربما هنا يكمن التحول الحقيقي.

فبدل السؤال: كيف نهرب من الموت؟

ظهر سؤال آخر أكثر عمقًا:

كيف نحيا حياة ذات معنى قبل أن يأتي الموت؟

لعل الإنسان لم ينجح في القضاء على الموت، لكنه نجح في تحويل الخوف منه إلى أدب وفلسفة ودين وعلم وفن.

ومن هذه المحاولة الطويلة وُلدت أعظم الأسئلة وأجمل الكتب وأعمق التأملات.

ولهذا يبقى جلجامش قريبًا منا رغم آلاف السنين.

فحين نفقد عزيزًا، أو نتأمل مرور العمر، أو نفكر في أثرنا بعد الرحيل، نجد أننا ما زلنا نسير في الطريق ذاته الذي سار فيه ذلك الملك القديم.

تتغير الأزمنة، لكن الإنسان يبقى يحمل السؤال نفسه في أعماقه:

إذا كانت النهاية حتمية... فكيف ينبغي أن نعيش البداية وما بينها؟

 

 


مشاهدات 50
الكاتب عباس النوري
أضيف 2026/06/10 - 4:07 PM
آخر تحديث 2026/06/11 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 10104 الكلي 15885585
الوقت الآن
الخميس 2026/6/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير