هل يدخل الصحفي العراقي الجنة ؟
محمد كاظم الفاضلي
حين اختار الصحفي المصري الراحل محمد العزبي عنوان «هل يدخل الصحفيون الجنة؟» لكتابه، لم يكن يسأل عن مصير الصحفيين في الآخرة بقدر ما كان يضع المهنة أمام محكمة الضمير. كان السؤال ساخرًا في ظاهره، لكنه شديد الجدية في جوهره: ماذا يفعل الصحفي بالحقيقة عندما تصبح الحقيقة مكلفة؟ ولمن ينحاز حين تتعارض الحقيقة مع السلطة أو المال أو الشهرة أو المصالح؟
ربما يكون من المفيد أن نعيد طرح السؤال في العراق، لكن بصيغة أكثر قسوة:
هل يدخل الصحفي العراقي الجنة؟
بعد عام 2003، شهد العراق انفجارًا إعلاميًا كبيرًا. عشرات القنوات الفضائية، ومئات المواقع والمنصات، وآلاف الصحفيين والإعلاميين، ومساحات واسعة من النقاش العام لم تكن متاحة بهذه الصورة من قبل. بدا الأمر وكأن العراق ينتقل من إعلام يدار من أعلى إلى فضاء إعلامي متعدد الأصوات.
لكن كثرة الأصوات لا تعني بالضرورة كثرة الحقيقة.
وهنا تكمن المفارقة. لقد تحرر الإعلام العراقي من احتكار الدولة التقليدي، لكنه لم يتحرر دائمًا من أشكال أخرى من الاحتكار: احتكار الحزب، والطائفة، ورأس المال، والنفوذ السياسي، والعلاقات الشخصية، وحتى سلطة الجمهور ورغباته.
لمن يعمل الصحفي
ولذلك فإن المشكلة اليوم ليست في غياب الصحفي العراقي، وإنما في السؤال: لمن يعمل الصحفي؟
هل يعمل للقارئ والمشاهد والمستمع؟
أم يعمل للمؤسسة التي تدفع راتبه؟
أم للسياسي الذي يمنحه الوصول؟
أم لرجل الأعمال الذي يملك المنصة؟
أم للجمهور الذي يريد سماع ما يوافق قناعاته؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا للصحفي العراقي، بقدر ما هي محاولة لفهم البيئة التي يعمل فيها.
فالصحفي العراقي ليس كائنًا معزولًا عن واقعه. إنه يعمل وسط نظام سياسي شديد التعقيد، واقتصاد إعلامي هش، ومؤسسات تتداخل فيها السياسة بالإعلام، وجمهور منقسم في كثير من الأحيان حول القضايا الكبرى.
ومع ذلك، تبقى للصحفي مسؤولية لا يستطيع أن يتخلى عنها بحجة الظروف.
فالصحافة ليست أن تقول للناس ما يريدون سماعه، ولا أن تقول للسلطة ما تريد سماعه.
الصحافة أن تقول للناس ما يحتاجون إلى معرفته.
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر أهمية من السؤال المهني.
قد يستطيع الصحفي أن يبرر خبرًا خاطئًا بأنه كان مستعجلًا، وأن يبرر عنوانًا مضللًا بأنه كان يبحث عن المشاهدات، وأن يبرر الصمت بأنه كان يخشى على وظيفته، وأن يبرر المجاملة بأنها جزء من قواعد اللعبة. لكن ماذا يحدث عندما تتحول الاستثناءات إلى قاعدة؟
عندما يصبح الصمت أسلوبًا؟
وعندما يصبح التملق مهنة؟
وعندما يصبح القرب من السياسي معيارًا لنجاح الصحفي؟
هنا لا تعود المشكلة مشكلة فرد، وإنما مشكلة مهنة.
لقد أنتج الإعلام العراقي خلال السنوات الماضية صحفيين ومراسلين ومذيعين ومحللين محترفين، وقدم نماذج تستحق الاحترام. بعضهم حافظ على استقلاله رغم الضغوط، وبعضهم دفع أثمانًا شخصية ومهنية لأنه اختار أن يسأل السؤال الصعب في الوقت الذي كان فيه الجميع يفضل الصمت.
لكن في المقابل، أنتجت البيئة نفسها ظاهرة أخرى: صحفي السلطة.
وهو ليس بالضرورة الصحفي الذي يعمل في مؤسسة حكومية. قد يكون في قناة خاصة، أو موقع مستقل، أو برنامج حواري، لكنه يحمل عقل السلطة أكثر مما يحمل عقل الصحافة.
يقترب من المسؤول أكثر مما يقترب من المواطن.
يسأل عن إنجازات المسؤول أكثر مما يسأل عن إخفاقاته.
ويستضيف صاحب القرار لا لكي يحاسبه، بل لكي يمنحه فرصة إضافية للكلام.
وهنا تفقد الشاشة واحدة من أهم وظائفها: المساءلة.
ليست وظيفة الصحفي أن يكره السياسي، كما أنها ليست وظيفته أن يحبه.
وظيفته أن يراقبه.
فالسياسي لديه أدوات كثيرة للدفاع عن نفسه: بيانات، مؤتمرات، متحدثون، صفحات رسمية، وجيوش إلكترونية.
أما المواطن فلا يملك في الغالب سوى الصحافة. ولهذا فإن الصحفي الذي يتخلى عن المواطن يتخلى، في الحقيقة، عن جوهر مهنته.
وربما لهذا السبب يبدو سؤال محمد العزبي صالحًا جدًا للعراق.
فـ«الجنة» هنا ليست مكانًا دينيًا نتحدث عن مصير الناس فيه، وإنما استعارة عن الخلاص المهني والأخلاقي.
هل يستطيع الصحفي بعد ثلاثين سنة من العمل أن يقول: لم أبع قلمي؟
هل يستطيع أن يقول: لم أغير موقفي لأن السلطة تغيرت؟
هل يستطيع أن يقول: لم أستخدم المهنة لتصفية حساب شخصي؟
هل يستطيع أن يقول: عندما امتلكت الميكروفون، لم أستخدمه لإذلال الضعيف؟
هذه الأسئلة أهم من عدد المتابعين، وأهم من شهرة البرنامج، وأهم من عدد المسؤولين الذين يعرفهم الصحفي.
فالصحفي الحقيقي لا تقاس قوته بمدى قربه من السلطة، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بمسافة منها.
وقد تكون أكبر مشكلة تواجه الصحافة العراقية اليوم أن بعض الصحفيين أصبحوا يريدون أن يكونوا جزءًا من النخبة السياسية بدل أن يكونوا عينًا عليها.
حين يصبح الصحفي جزءًا من المشهد السياسي، يصبح من الصعب عليه أن يراقبه من الخارج.
وحين يصبح صديقًا دائمًا للمسؤول، يصبح السؤال المحرج أكثر صعوبة.
وحين تصبح مصلحة المؤسسة أهم من مصلحة الجمهور، تصبح الحقيقة أول الضحايا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نجلد الصحفيين وحدهم.
مؤسسات اعلامية
فالصحافة لا تعمل في فراغ. وإذا أردنا إعلامًا عراقيًا مستقلًا، فعلينا أن نسأل أيضًا عن استقلال المؤسسات الإعلامية، وعن مصادر تمويلها، وعن علاقتها بالقوى السياسية، وعن قدرة الصحفي على حماية نفسه عندما يختلف مع صاحب القرار داخل المؤسسة.
فمن الظلم أن نطلب من الصحفي أن يكون شجاعًا، بينما نضعه في مؤسسة لا تحمي شجاعته.
لكن الصحفي، في المقابل، لا يستطيع أن يجعل كل الظروف ذريعة للتخلي عن ضميره.
في النهاية، قد لا نعرف من يدخل الجنة، فهذا أمر ليس للصحافة ولا للصحفيين أن يحسموه.
لكننا نستطيع أن نسأل سؤالًا دنيويًا أكثر إلحاحًا:
من يستحق أن يُسمى صحفيًا؟
هو الذي يملك الشجاعة ليقول «لا أعرف».
وهو الذي يتحقق قبل أن ينشر.
وهو الذي يسأل المسؤول كما يسأل المواطن.
وهو الذي يعرف أن الخبر ليس ملكًا له، وأن المعلومة أمانة، وأن الجمهور ليس قطيعًا يجب توجيهه، وإنما مواطنون لهم الحق في أن يعرفوا ثم يقرروا.
لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل يدخل الصحفيون العراقيون الجنة؟
بل: إذا وقف الصحفي العراقي يومًا أمام مرآة تجربته، هل سيكون راضيًا عما فعله بالميكروفون والقلم والكاميرا التي اؤتمن عليها؟
ذلك هو الاختبار الأصعب.
فالصحفي قد يخسر منصبه، وقد يخسر برنامجه، وقد يخسر علاقته بمسؤول أو مؤسسة.
لكن الخسارة الأكبر أن يخسر السبب الذي جعله صحفيًا في المقام الأول: ضميره.
وعندها فقط يصبح سؤال محمد العزبي موجعًا حقًا.
ليس: هل يدخل الصحفيون الجنة؟
بل: هل بقي في داخل الصحفي شيءٌ يستحق أن يدخلها؟