حين يصبح النور لغةً للوجود
قراءة في الحقيقة المحمدية من المنظور الكسنزاني
نوري جاسم
ليس كل ما يُرى يُدرك، وليس كل ما يُدرك تُحيط به الكلمات. فهناك حقائق لا تُقاس بالمادة، ولا تُفسَّر بلغة الحس وحدها، لأنها تنتمي إلى عالم المعنى قبل الصورة، وإلى فضاء الروح قبل الجسد. ومن أعمق هذه الحقائق في الفكر الصوفي الإسلامي ما اصطلح عليه العارفون بـ «الحقيقة المحمدية». وإن الحديث عن الحقيقة المحمدية ليس حديثًا عن شخصية تاريخية عظيمة فحسب، وإنما هو حديث عن مركزية الرسالة المحمدية في البناء الروحي للإنسان، وعن المقام الذي جعله الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بوصفه خاتم الأنبياء، وأكمل من تجلت فيه معاني العبودية، وأسمى من جسد قيم الرحمة والعدل والمحبة. وفي الرؤية العرفانية للطريقة العلية القادرية الكسنزانية، تمثل الحقيقة المحمدية البعد النوراني الذي جعله الله أصلًا للهداية، ومظهرًا لرحمته في العالم. وهي ليست دعوة إلى الغلو، ولا خروجًا عن التوحيد، وإنما محاولة لفهم سر المكانة التي خصَّ الله بها نبيه الكريم، ذلك الذي وصفه بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) فالرحمة في هذا الفهم ليست حدثًا تاريخيًا انتهى بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي نهر متدفق من القيم والأخلاق والهداية، يتجدد أثره في كل قلب أحسن الاقتداء، وفي كل نفس تزكت بالصدق والإخلاص والمحبة. وترى الكسنزانية أن الحقيقة المحمدية هي حقيقة الإنسان الكامل؛ الإنسان الذي اكتمل فيه ميزان العقل والروح، واجتمع فيه ظاهر الشريعة وباطن الحكمة، حتى غدا النموذج الأعلى الذي تتطلع إليه الإنسانية في رحلتها نحو الكمال الأخلاقي والروحي. ومن هنا فإن الاقتراب من الحقيقة المحمدية لا يكون بادعاء المقامات، وإنما بالسير على نهجها؛ فالصدق حقيقة محمدية، والرحمة حقيقة محمدية، والعدل حقيقة محمدية، والتواضع حقيقة محمدية، وخدمة الإنسان دون تمييز حقيقة محمدية. وكلما تجلت هذه المعاني في الإنسان، كان أقرب إلى نور الرسالة، وأبعد عن ظلمات الأهواء.
ولعل العالم المعاصر، وهو يئن تحت وطأة الحروب والكراهية والانقسام، بحاجة إلى أن يعيد اكتشاف محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه مشروعًا حضاريًا وأخلاقيًا، لا مجرد شخصية تاريخية تُستحضر في المناسبات. فالرسول الذي بنى الإنسان قبل أن يبني الدولة، وأصلح القلوب قبل أن يغير الخرائط، ما زال قادرًا على إلهام الإنسانية بقيمها الكبرى. وإن المدرسة الكسنزانية، وهي تستحضر مفهوم الحقيقة المحمدية، لا تريد أن تفتح باب الجدل الكلامي، بل أن تفتح باب التزكية، وأن تنقل الإنسان من عبادة الصورة إلى فهم الجوهر، ومن كثرة الأقوال إلى صدق الأحوال، ومن الانشغال بالخلاف إلى الاجتماع على المحبة التي جاء بها رسول الرحمة. فالحقيقة المحمدية، في هذا المنظور، ليست فكرة تُحفظ، بل نور يُقتدى به، وليست فلسفة تُجادل، بل حياة تُعاش. إنها دعوة إلى أن يكون الإنسان أكثر رحمة، وأكثر عدلًا، وأكثر صفاءً، لأن الاقتراب من محمد صلى الله عليه وسلم هو اقتراب من القيم التي أرادها الله للإنسان.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى نورٍ لا يحرق، بل يهدي... وإلى خطابٍ لا يفرق، بل يجمع... وإلى إنسانٍ يحمل من أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم بقدر ما يحمل من اسمه.
وهنا تكمن عظمة الحقيقة المحمدية؛ فهي ليست حديثًا عن الماضي، بل مشروعًا دائمًا لإحياء الإنسان، ليكون قلبه موطنًا للنور، وعقله موطنًا للحكمة، وسلوكه ترجمةً عمليةً لرسالة الرحمة الخالدة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم ..