العقيدة الثقافية
محمد حمزة الجبوري
هل يعقل أن يمتلك العراق كل هذا العمق الحضاري ثم يعجز عن تحويله إلى قوة حاضرة؟السؤال يبدو قاسياً لكنه ضروري؛
العراق لا يحتاج إلى من يعرفه بتاريخه فهو بلد صنعت أرضه واحدة من أقدم التجارب الحضارية في العالم وراكم أبناؤه الشعر والفكر والفن والمعرفة؛ لكن امتلاك هذا الإرث شيء وتحويلها إلى قوة فاعلة متحركة حاضرة بمعنى إلى تأثير شيء مغاير اعمق أثرا؛ المشكلة ليست في ما نملك بل في غياب الرؤية التي تستثمره؛ في القرار الذي يحييه وفي نصر الحقيقة الثقافية المحتجزة في زنازين التأريخ؛ لطالما تعاملنا مع الثقافة بوصفها نشاطاً موسمياً (مهرجاناً يقام وكتاباً يطبع وفعالية تنتهي بانتهاء موعدها) بينما الثقافة في جوهرها، ليست فعالية إنها جزء من تكوين الإنسان وصيرورته وصناعة صورة الدولة وتحديد علاقتها بالعالم؛ الثقافة تعني الوعي والادراك العاليين؛ الاستشراف الرؤية الكونية؛ اللقاح الحامي لكيان المجتمع وعافيته؛ وهنا نحتاج إلى ما يمكن تسميته (العقيدة الثقافية)؛ استراتيجية بناء وتطور ونماء وتحول؛ أي أن تعرف الدولة ماذا تريد من ثقافتها، وكيف تحمي هويتها، وكيف تدعم مبدعيها، وكيف تحول تراثها إلى حضور وتأثير واقتصاد إبداعي مستدام ومنتج؛ فالدول لا تصنع نفوذها بالاقتصاد والسياسة وحدهما؛ أحياناً يكون الكتاب أكثر قدرة على الوصول من الخطاب السياسي ويكون الفيلم أبلغ من البيان ويستطيع الفنان أن يقدم بلداً كاملاً من خلال عمل واحد؛ والعراق يملك مادة هذه القوة بكثافة نادرة؛ لكننا ما زلنا نتصرف مع ثقافتنا كأنها هامش؛ فيما يمكن أن تكون واحدة من أهم أدوات حضورنا الوطني؛ وأحد مرتكزات نهضتنا؛ الأمر لا يتعلق بتمجيد الماضي بل بتحويله إلى مستقبل مضيء حي مؤثر غير متأثر؛
فليس كافياً أن نقول إن العراق مهد الحضارات؛ الأهم أن يرى العالم عراقاً معاصراً ينتج المعرفة والفن والأدب، ويقدم نموذجاً ثقافياً قادراً على المنافسة والتأثير؛ وهذا يتطلب سياسة ثقافية طويلة الأمد (الإستراتيجية والمنهاج) لا تتغير بتغير المسؤولين وتتعامل مع المثقف باعتباره شريكاً في بناء المجتمع لا ضيفاً على هامش الدولة؛ كما يتطلب أن نعيد الثقافة إلى موقعها الطبيعي في التعليم والإعلام والفضاء العام، وأن نفتح أمام الشباب مساحات حقيقية للإبداع والتجدد الثقافي؛ لأن المعركة على وعي الإنسان لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى؛ العراق لا يعاني من فقر ثقافي البتة؛ إنه يعاني من ضعف في تحويل ثقافته إلى قوة ناهضة؛ وهنا تكمن المفارقة؛ بلد يملك أحد أثقل الأرصدة الحضارية في العالم، لكنه لم يضع بعد استراتيجية واضحة لاستخدام هذا الرصيد في بناء صورته وتأثيره ومستقبله؛ لذلك فإن(العقيدة الثقافية) ليست ترفاً فكرياً عابرا ولا شعاراً جديداً يضاف إلى قاموس المؤسسات؛ إنها سؤال دولة كيف نحول الثقافة من ذاكرة نفتخر بها إلى قوة نصنع بها المستقبل؟؛ كما حرك المثقفون الراحلون العالم من قبورهم حرياً بنا اليوم ان نحرك العالم من يقضتنا وحضورنا قبل موتنا ؛ العراق لا يحتاج إلى أن يثبت أنه كان عظيماً؛ يحتاج إلى أن يثبت أن عظمته ما زالت قادرة على إنتاج الحاضر وصيانة الموروث الثقافي واستثماره في البناء والتحضر ومواكبة العالم؛ ستظل الثقافة وعي الامة وهويتها الحضارية ودونها العبث.