الحروب الثقافية
محمد زكي
تبدو الحروب التي تخوضها الشعوب اليوم في مجملها حروباً ثقافية، تستهدف في المقام الأول القيم والحضارة والانتماء الديني، بعدأن كانت غايتها في ما مضى المال والثروة والموقع الجغرافي.
وسبب ذلك يعود إلى أن القيود المفروضة على التجارة والتقنية ورأس المال باتت اليوم غير ذي جدوى. وغدا انتقال هذه المفردات بين الشعوب متيسراً، فالشركات العملاقة تعمل في كل مكان، ولا يضيق ذرعاً بها أحد، لأنها تخفف عن البلدان العبء، وتتيح لها أكبر قدر من الثراء.
إن بلداناً في (العالم الثالث)، ومنها بلداننا العربية، تتوسل الآن بالدول الغنية أن تمن عليها بالشراكة الاقتصادية، وتدخل معها في استثمارات صناعية، وتوقع معها عقوداً طويلة وعريضة، ولا يحتاج الأمر إلى عنف، أو حرب، أو ضغط خارجي.
لكن أحداً لا يتساهل في معتقداته الفكرية التي ورثها عن أسلافه، ولا يستطيع أن يتنازل عن وجوده المعنوي، أو هويته القومية، لأنه يدرك أن تفريطه بهذه الأمور يعني انتهاء دوره على هذه الأرض، ومحو اسمه من خارطة العالم، وربما يقود إلى فنائه الجسدي.
والحقيقة أن الامبراطوريات القديمة لم تغفل هذا الجانب في حروبها العابرة للقارات، وكانت تصر على أن تصبغ البلدان التي هيمنت عليها بصبغتها الخاصة، لأنها تضمن بذلك رضا المحكومين عنها.
وقد قام الاسكندر المقدوني في القرن الثالث قبل الميلاد مثلاً بنشر الثقافة الهلنستية في آسيا، بعد أن تكللت فتوحاته بالنجاح.
وقد بقيت هذه البذرة قائمة، حتى وقت طويل، رغم انحسار سلطة خلفاء الاسكندر في فارس والعراق وانطاكيا ومصر!
ولعل أنصع مثال على الحروب الثقافية الفتوحات الإسلامية في القرون الهجرية الأولى.
فانتشار الإسلام في المنطقة، منح هذه الامبراطوريات القوة وجعلها تتمدد شرقاً وغرباً، إلى مساحات شاسعة ما تزال تحمل هذه الشعلة حتى اليوم.
ولم يكن هجوم أوربا على الشرق في العصر الحديث اقتصادياً أو سياسياً بالدرجة الأولى، فالبلدان الشرقية لم تكن غنية، ولا متطورة، ولم تكن لديها ثروات ظاهرة.
حتى النفط لم يكن معروفاً بما فيه الكفاية بالشكل الذي يؤدي إلى تجييش الجيوش، وبذل التضحيات، والغالب أن أوربا كانت تريد أن تجدد حروبها الصليبية التي انتهت إلى بوار، ولم تجن منها شيئاً يذكر، وهي حروب ثقافية واضحة، وكانت ترى في الاتجاهات العقائدية لدى شعوب المنطقة خطراً ينبغي تحييده أو إزالته، حتى لا تواجه بالثورات والانتفاضات والحروب التحررية.
ما يجري اليوم في محيطنا لا يخرج عن هذا السياق، ولا يختلف في قليل أو كثير عما حدث في الماضي، إلا في الأدوات والأساليب التي صنعتها التقنيات الحديثة، فقد وجد الغرب أن تطويع بلاد العرب لا يكون إلا بتغيير نمط حياتها المألوف، ولا يجري ذلك إلا بسيل من الأفكار والنظريات وفنون الدعاية، ترافقها ضغوط اقتصادية وعسكرية، حتى بات الصراع منحصراً داخل البلد الواحد بين فئة مستغربة وأخرى محافظة، والحرب بينهما سجال، يميل تارة إلى هذا الطرف، وتارة إلى ذاك!
ومهما بالغنا في دور الاقتصاد والسياسة أو القوة العسكرية، فإن الثقافة تبقى هي المحرك الأول لكل هذه المواجهات، ولن تنتهي إلا بغلبة ثقافة على أخرى، أو فكرة على ثانية.
ولا شك أن دعم الثقافة الوطنية هو مصدر القوة الرئيس للشعوب، ومحاولة إغنائها أو تنقيتها أو الإضافة إليها، هي الخطوة الأهم في تحقيق الانتصار الحاسم.. ومن غير المعقول أن تكون الغلبة للأفكار الدخيلة إلا في حال انعدام الوعي، والتراخي، والإهمال، وهذا ما لا يمكن تصوره في عصرنا الحاضر بحال.