الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما البديل للخروج من المستنقعات الثقافية العربية؟


ما البديل للخروج من المستنقعات الثقافية العربية؟

ياسين غالب

 

لم يعد خافياً أنَّ المشهد الثقافي العربي يعيش فجوة واضحة بين القرّاء وما يُكتب لهم، وبين النص ومن يُفترض أن يكون المتلقي الطبيعي له. فبرغم وجود جيل واسع من المتعلمين وحاملي الشهادات الجامعية، ما تزال القدرة على القراءة النقدية، أو حتى الكتابة السليمة بالعربية الأم، أقل بكثير مما ينبغي. حتى إن كثيراً من الخريجين يعجزون عن كتابة نصف صفحة دون أخطاء تُربك المعنى وتشوّش الرسالة. شهد الأدب العربي في العقود الأخيرة ميلاً متزايداً إلى التعقيد اللغوي، وإلى بناء سرديات تعتمد على التراكيب الثقيلة والمجازات المتراكمة. لكن المشكلة لا تكمن في الجمال اللغوي ذاته، بل في انفصال هذا الجمال عن المتلقي العادي الذي يودّ أن يجد في النص مرآة لواقعه، لا متاهة لغوية تُشعره بالعجز. تحوّلت بعض الكتابة العربية إلى فخّ النخبوية؛ نصوص لا تُقصد ليتلقّاها جمهور واسع، بل تُصاغ كأنها اختبارات متقدمة في البلاغة. وبهذا فقدت اللغة دورها الأساسي: التواصل.

ولنكن منصفين، لا يمكن الحديث عن أزمة القراءة دون الإشارة إلى التعليم العراقي والعربي. فالمدرسة في هذا الجزء من العالم، الذي يستهلك الحضارة أكثر مما يسهم في إنتاجها، نادراً ما تُعلّم التلميذ التفكير الحر، بل تُدرّبه على حفظ القواعد المكتوبة على السبورة. من أبرز مشاكلنا الحفظُ الغبيُّ والمنهجيُّ الذي يُخرِّج أعداداً كبيرة من الطلاب، القادرين على استظهار القاعدة في الامتحان، لكنهم غير قادرين على استعمالها في كتابة نص بسيط. وهكذا تتراكم الفجوة بين متعلم نظري ولغة حيّة لا تُمارس.

في عالم رقمي متسارع، تُنافس الشاشة الرقمية الصفحة الورقية الآن، وتتفوق عليها في كثير من الأحيان. أمام تدفق المحتوى السريع عبر المنصات، يجد القارئ نفسه أقل صبراً على النصوص الطويلة أو المتطلبة للتركيز. وهكذا يصبح الأدب صورةً من صور الثقافة، بكل ما فيه من عمق وتأمل، خارج إيقاع الحياة اليومية. ليس القارئ وحده من يتحمّل مسؤولية هذا الانفصال؛ الكاتب أيضاً معنيّ بالبحث عن لغة تصل دون أن تتسطّح، وتُضيء دون أن تتعالى.

ما الحل؟

ربما نحتاج إلى لغة وسطى غير مبتذلة، قادرة على تحقيق توازن بين جمال التعبير وبساطة التلقي. فاللغة الواضحة ليست فقيرة، واللغة الرفيعة ليست لغزاً بالضرورة. نحتاج إلى كتابة تُحترم عقل القارئ دون أن تُرهقه، وإلى تعليم يتجاوز حشو القواعد نحو تمكين الطالب من إنتاج الفكرة، وفهم النص، وتذوق الأدب المحلي والعالمي، مع قدر من القدرة على التساؤل ونقد المسلّمات الموروثة. وبديهي لا تُهذَّب اللغة إلا حين تُمارس يومياً.

يمكن إعادة تقديم الأدب عبر قنوات أقرب إلى الناس:

– نوادٍ للقراءة

– منصات رقمية تفاعلية

– كتب صوتية

– ملخصات نقدية تحفّز القارئ على الدخول إلى النص.حيث لا ثقافة بلا قراءة

ولا قراءة بلا محتوى قابل للهضم

ولا محتوى دون وعي.

 

إن الربط بين المحتوى والفكر ينتج نصوصاً فاعلة في المجتمع، لا غنائيات ومراثٍ وابتزازاً عاطفياً رخيصاً قائمًا على الحزن أحياناً، وعلى الانفعال البدائي أحياناً أخرى. ولم ينجُ من هذا المطب حتى بعض شعراء الكلاسيكيات في الأدب العراقي والعربي.

 

إن ترحيل الثقافة من برجها العاجي إلى فضاء الحياة اليومية، وترويضها لا بمعنى تسطيحها بل بإدماجها في الممارسة اليومية، يجعلها أقرب إلى الإنسان، وأكثر التصاقاً بروتينه وخبرته المعرفية.

 

 

كاتب مغترب

هلسنكي – فنلندا


مشاهدات 29
الكاتب ياسين غالب
أضيف 2026/07/19 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/07/20 - 1:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 118 الشهر 20975 الكلي 15926102
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير