الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العقيدة الإقتصادية

بواسطة azzaman

العقيدة الإقتصادية

محمد حمزة الجبوري

 

الدولة التي لا تملك عقيدة اقتصادية تستعير مستقبلها وتبدأ بنسج كفنها؛ ليست المشكلة أن تمتلك الدولة ثروة أو تفتقر إليها  فالتاريخ مليء بدول نهضت بإمكانات محدودة وأخرى تعثرت فوق جبال من الموارد؛ المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تغيب العقيدة الاقتصادية؛ حين يصبح الاقتصاد رد فعل لا مشروعا  وتتحول القرارات إلى استجابات مؤقتة بدل أن تكون جزءا من رؤية وطنية متماسكة؛ في العراق لم يعد السؤال كم نملك من المال بل ماذا صنع المال بنا؟ فخلال سنوات طويلة تدفقت الإيرادات واتسعت الموازنات لكن الاقتصاد بقي هشا لأن الثروة لم تتحول إلى قدرة إنتاجية ولم تبن على أساس عقيدة اقتصادية تؤمن بأن الإنسان المنتج أهم من المورد الطبيعي وأن المصنع أهم من فاتورة الاستيراد وأن الاستثمار في المعرفة أربح من الإنفاق الاستهلاكي؛ إن الدولة التي تنفق أكثر مما تنتج وتستورد أكثر مما تصنع وتنتظر أسعار النفط لتحدد مصيرها لا تدير اقتصادا بل تدير حالة انتظار وكل انتظار طويل يستهلك مناعة الدولة حتى تصبح عاجزة عن مواجهة أول أزمة مالية أو سياسية؛ العقيدة الاقتصادية ليست وثيقة توضع في الأدراج وأنما منظومة قيم تبدأ من سؤال واحد كيف نصنع اقتصادا يستطيع الوقوف دون عكازات؟ وهذا السؤال لا تجيب عنه وزارة واحدة بل تجيب عنه الدولة بأكملها عبر التعليم والتشريع والإدارة والاستثمار ومحاربة الفساد وحماية المنتج الوطني وإطلاق طاقات القطاع الخاص ضمن قواعد عادلة وشفافة؛ لقد آن الأوان للانتقال من اقتصاد توزيع الثروة إلى اقتصاد صناعة الثروة وشتان بين الروئيتين؛ فالوظيفة الحكومية ليست مشروعا اقتصاديا،والإنفاق التشغيلي ليس مؤشرا على النجاح؛ والاعتماد على مورد واحد ليس استراتيجية بل مخاطرة مؤجلة؛ إن الدول التي تصنع مستقبلها لا تسأل في نهاية كل عام كم أنفقنا؟ بل تسأل كم مصنعا افتتحنا؟ كم فرصة عمل خلقنا؟ كم فكرة تحولت إلى مشروع؟ وكم مشروعا تحول إلى قيمة مضافة؟ تلك هي اللغة التي تتحدث بها الاقتصادات الحية؛ أما الاستمرار في إدارة الاقتصاد بعقلية الإسعاف فلن ينتج إلا أزمات أكثر تعقيدا؛ فالمسكنات قد تؤخر الانهيار لكنها لا تبني دولة والحلول الوقتية قد ترضي اللحظة لكنها تسرق الغد؛ إن العراق لا يحتاج إلى موازنة أكبر بقدر ما يحتاج إلى عقيدة اقتصادية أكبر؛ عقيدة تجعل الإنتاج معيار القوة والتنويع عنوان الاستقرار والعمل قيمة عليا والموارد وسيلة لبناء الإنسان لا غاية بحد ذاتها؛ فالأوطان لا تقاس بما يخرج من آبارها بل بما يخرج من عقول أبنائها ومصانعهم وحقولهم؛ وعندما تصبح هذه الحقيقة أساس القرار يكون الاقتصاد قد انتقل من إدارة المال إلى صناعة المستقبل.

 


مشاهدات 38
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/08/08 - 2:45 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 5:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 238 الشهر 7830 الكلي 16097534
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير