نقطة ضوء
(ثرثرة) فوق الخمسين
محمد صاحب سلطان
في البدء عليّ التوضيح منعاً للإلتباس، بإن لا علاقة لعنوان هذا المقال برواية وشخوص (ثرثرة فوق النيل) للأديب الكبير نجيب محفوظ،التي أصدرها عام 1966مبتعدا فيها عن الواقعية المباشرة ليغوص في أزمات الإنسان الحديث برأي النقاد آنذاك، سوى كلمة (ثرثرة) التي أردت من خلالها، البوح بما يعتمر في العقل من ضجيج وتداخل أقرب إلى الهلوسة المعجونة بالأبخرة المتصاعدة، جراء درجة حرارة نصف الغليان التي تجاوزت الخمسين في العراق!، ومطلوب من المرء القيام بواجباته ومراجعاته، للدوائر بمختلف تخصصاتها بكل أريحية، وهنا تكمن حراجة الموقف المؤطر بين سياج الممنوعات التي يقف الإنسان المراجع عاجزا عن إجتيازه، ما لم يؤذن له من حراسه الرابضين طيلة وقت الدوام، وفي أيديهم (فرامانات) لقرارات قديمة وأخرى جديدة خاصة بهم، ليس لإجل حل الإشكالات والمعيقات، التي تواجه من له حاجة في مراجعة دائرة ما، ربما يتعلق مصيره بها أو بمستقبل أبناءه، فالقرار الإداري المركزي تراه يفرّغ ويحلل إلى العديد من القرارات ذات الطابع الإجتهادي للموظف الذي تمر عليه المعاملة، وفي غالب الأحيان يصبح (قراره) هو (الماشي) حتى وإن كان يتعارض مع جوهر الموضوع ،الذي بت به القرار المركزي!، هي (حزورة) إذن يدخل في دوامتها المراجع، وهكذا نجد ان الإجراءات المركزية المتخذة بشإن قضية ما، تفهم بطريقة مغايرة لدا الموظف المنفذ، فتتحول أية معاملة، ولو حتى معاملة سداد دين أو نقل طالب، إلى إضبارة تتضخم مع كل توقيع أو هامش يؤشر عليها، وهي تتنقل من طابق إلى آخر ومن دون مصاعد في بعضها، والمواطن في لهاث مستمر بجو حار وخانق، فيصبح الدوران عادة تبدأ من الوسط وتنتهي بالأطراف والرأس معاً، فيما اللافتات المثبتة على الجدران، تدعو إلى السهولة والإنسيابية مع التأكيد على الإتصال بإرقام هواتف الشكاوى والمخالفات، التي لا ترد على الأغلب؟!، والويل كل الويل إن إشتكيت، عندها إقرأ على معاملتك السلام!، فهي لن ترى النور ثانية، وتبقى قابعة في درج مظلم لا يفتح إلا بعد سكب قطرات ماء الوجه المعجونة بالتوبة جراء الحماقة التي إرتكبتها،وصدقت ببلاهة بإن الشكوى ستعيد الأمور إلى نصابها وتحق الحق وتزهق الباطل!، وفوق هذا وذاك تستنزف جيوبك من هدايا الرضا العينية والورقية، وكلما كان ثمنها كبير، أسرع صاحب (الدرج) على فتح منغلقاته، وإلا ستبقى مثل (خنفسانة بجزة الصوف) لا تعرف أين تتجه!، فتبقى تدور في مكانها ولا منقذ لها سوى الإستسلام، أما عن تصريحات بعض مسؤولي الدوائر، بإن أبوابهم مفتوحة للجميع، فإنها تصبح مثل نكتة سمجة، عليك أن تتجرع مرارة محتواها الفارغ والحامض في آن واحد،، برغم إن الأنظمة والقوانين التي تحكم علاقة المراجع بدوائر الخدمة، تكتب بإرقى مفردات الصياغة، وبإحلى العبارات المقرونة بإقوى مفاهيم رفض المعاصي والروتين، نظريا طبعا، ولكن عندما نأتي إلى التطبيق، تظهر كاسحات التسهيل بإدوات الإعاقة، التي يضعها موظف الخدمة نفسه؟.. وجميعنا يعلم إن هنالك أسباب إدارية ونفسية وإجتماعية تقف وراء هذا التقصير، أبرزها غياب المسائلة والرقابة وضعف التأهيل والروتين القاتل الذي يخلق بيئة عمل مشحونة بالتوتر، ناهيك عن العيون الفارغة التي لا تشبع طلباً للرشوة والمحسوبية،فضلاً عن غياب الوازع الأخلاقي والمهني لدا بعض الموظفين، والتعامل مع الوظيفة وكأنها (ملك صرف) له يلعب بها ما يشاء، وسلطة إمتياز تمنحه راتباً بإقل جهد ممكن، وليست مسؤولية إجتماعية، لذلك على الجميع، مسؤولين ومواطنين، ترسيخ فكرة إن المراجع هو صاحب حق، والموظف وجد لخدمته، وتسهيل معاملته، لا أن يتحول إلى (بعبع) يخيف الجميع!.. والسلام.