الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تضيق مساحة الكلام

بواسطة azzaman

حين تضيق مساحة الكلام

محمد علي الحيدري

 

لا تُختبر الديمقراطيات في الأيام الهادئة، بل في قدرتها على احتمال الأصوات المزعجة. فحرية التعبير لم تُشرَّع لحماية الآراء التي نتفق معها، وإنما لحماية حق الاختلاف، وحق النقد، وحق مساءلة السلطة، وحق تقديم قراءة مغايرة للأحداث، ما دام ذلك يتم في إطار القانون والاحترام.

وحين يزداد شعور الناس بأن مساحة الكلام تضيق، يصبح من الضروري التوقف لا لمناقشة الأشخاص أو المؤسسات، وإنما لمناقشة المبدأ نفسه. فالدولة التي تثق بنفسها لا تنزعج من الرأي، بل تنزعج من الكذب. ولا تخشى النقد، بل تخشى التحريض على العنف والكراهية. وبين النقد المشروع والانتهاك الحقيقي مساحة واسعة ينبغي ألا تختلط.

لقد اعتادت المجتمعات الديمقراطية على أن يكون الإعلام قاسياً أحياناً، وأن تكون التحليلات السياسية حادة، وأن يذهب بعض المعلقين بعيداً في توقعاتهم أو قراءاتهم. وهذا كله يدخل في نطاق الجدل العام، حتى وإن اختلفنا معه أو وجدناه مبالغاً فيه. أما إذا تحول الإعلام إلى منصة للتشهير، أو الاتهام بلا دليل، أو المساس بكرامة الناس، أو نشر الكراهية، فهنا يتدخل القانون، لا لحماية السلطة، وإنما لحماية المجتمع.

لكن الخطورة تبدأ عندما يصبح الحد الفاصل بين الرأي والمخالفة غامضاً. فالغموض يولد الخوف، والخوف يولد الصمت، والصمت لا يصنع مجتمعاً صحياً. والإعلامي الذي لا يعرف أين ينتهي حقه في النقد وأين تبدأ منطقة العقوبة، سيميل تلقائياً إلى تجنب الملفات الحساسة، ليس اقتناعاً، بل خشيةً من الوقوع في المحظور. وهنا تنشأ رقابة ذاتية أشد أثراً من أي رقابة مباشرة، لأنها تجعل الناس يمتنعون عن قول ما يعتقدون أنه صحيح.

تصحيح اخطاء

إن الدولة ليست في خصومة مع حرية التعبير، كما أن حرية التعبير ليست في خصومة مع الدولة. العلاقة بينهما يجب أن تكون علاقة تكامل؛ فالإعلام الحر يساعد على كشف الفساد، وتصحيح الأخطاء، وإنذار صانع القرار بالمشكلات قبل أن تتفاقم. وكثير من النجاحات التي حققتها الدول الحديثة بدأت من صحفي كتب تحقيقاً، أو باحث قدم دراسة، أو محلل أثار نقاشاً أجبر المؤسسات على مراجعة سياساتها.

ولذلك فإن كثرة الإجراءات المقيدة للتعبير، حتى عندما تستند إلى مبررات قانونية، تستحق مراجعة هادئة بين حين وآخر. ليس لأن تطبيق القانون خطأ، وإنما لأن الإفراط في استخدام الأدوات العقابية قد يبعث برسائل غير مقصودة، أهمها أن سقف التعبير أصبح أقل اتساعاً مما كان عليه. والدول الرشيدة تحرص دائماً على ألا تتحول الرسائل الضمنية إلى واقع يضعف الثقة ببيئة الحريات.

إن المطلوب ليس إطلاق العنان لكل ما يقال، كما أنه ليس تضييق المجال أمام كل رأي حاد. المطلوب هو معيار ثابت وواضح: حماية الحق في التعبير، والتصدي للإساءة المتعمدة. فليس كل رأي صادم إساءة، وليس كل نقد تجاوزاً، وليس كل تحليل سياسي مخالفة. وفي المقابل، ليس من حرية التعبير اختلاق الوقائع، أو اغتيال السمعة، أو التحريض، أو بث الكراهية.

لقد نص الدستور العراقي على حماية حرية التعبير والصحافة، لأنه أدرك أن المجتمع الذي يسمع الأصوات المختلفة هو مجتمع أقدر على تصحيح مساره. كما أن التجارب الديمقراطية في العالم أثبتت أن اتساع هامش الحرية لا يضعف الدولة، بل يمنحها ثقة أكبر بنفسها، ويجعلها أكثر قدرة على احتواء الأزمات بالحوار بدلاً من المواجهة.

العراق، بعد عقود طويلة من الاستبداد ومصادرة الرأي، يحتاج إلى ترسيخ ثقافة تقول إن الاختلاف ليس تهديداً، وإن النقد ليس خصومة، وإن الكلمة المسؤولة ليست عدواً للدولة، بل أحد أهم أدوات بنائها. فالمجتمعات التي تسمح بتعدد الأصوات قد تبدو أكثر ضجيجاً، لكنها غالباً أكثر استقراراً على المدى البعيد، لأن الاحتقان يجد طريقه إلى النقاش بدلاً من أن يتحول إلى صمتٍ يخفي ما هو أخطر.

إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الأصوات التي تصمت، بل بعدد الأصوات التي تتكلم بثقة، وهي تعلم أن القانون يحميها إذا التزمت الحقيقة، ويحمي المجتمع إذا تجاوزت حدودها. ذلك هو التوازن الذي ينبغي أن نسعى إليه دائماً: حرية مسؤولة، وقانون عادل، ودولة واثقة، ومجتمع لا يخشى الكلمة، لأنه يعرف أن الكلمة، حين تكون مسؤولة، هي أول الطريق إلى الإصلاح.

 

 


مشاهدات 46
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/07/15 - 4:02 PM
آخر تحديث 2026/07/16 - 12:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 72 الشهر 16412 الكلي 15921539
الوقت الآن
الخميس 2026/7/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير