الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حينَ تعجزُ محاكم الأرض. . . تتجلى عدالةُ السماءِ

بواسطة azzaman

حينَ تعجزُ محاكم الأرض. . . تتجلى عدالةُ السماءِ

محمَّد خضير الأنباريِّ

 

حينَ يبتلى المرءُ بظلمٍ في هذهِ الدنيا الزائلة، يطرقُ كلّ أبوابِ القانونِ والمجتمعِ طلبا للإنصافِ واستعادةْ الحقوق، ثمَ لا يجدُ إلا الصدّ والإعراض، يختارُ الصمتُ طريقا، والسكينة رفيقا، فيأنسُ بسكونِ الليلِ وظلمته، ويعتزلُ ضجيج الناس، لا يأسا، ولا استسلاما، بلْ يتوجهَ إلى القاضي العادلِ الذي لا تخفى عليهِ خافية؛ ربّ العالمين، قاضي الدنيا والآخرة، الذي ترفعُ إليهِ المظالم، وترجى عندهُ العدالة، ويستردُ بحكمهِ الحق، ولوْ بعدَ حين.

   يعيشُ الإنسانُ في هذهِ الحياةِ، بينَ ابتلاءين عظيمين: إما أنْ يكونَ عادلاً أوْ ظالما، وإما أنْ يصبرَ على الظلم، أوْ يسعى إلى استردادِ حقهِ بالوسائلِ المشروعة، فقدْ يغيبُ العدل في بعضِ المواقف، وتسلبُ الحقوق، ويظلمُ الضعفاء، ويظنُ الظالمُ أنهُ أفلتَ منْ تبعاتِ فعله، غير أنَ سنةَ اللهِ في خلقه، تؤكدُ أنَ الدنيا ليستْ دارَ الجزاءِ الأخير، وإنما هيَ ميدان ابتلاء وتمحيص، وأنَ العدلَ الكاملَ مؤجلٌ إلى يومٍ تردُ فيهِ المظالم إلى أهلها، ويقفُ الخلقُ جميعا بينَ يديَ ربهمْ بلا حجاب، ولا نصير.

    قالَ سبحانهُ وتعالى: ( إنكَ ميتٌ وإنهمْ ميتون، ثمَ إنكمْ يومَ القيامةِ عندَ ربكمْ تختصمون) (الزمر: 30- 31 ) ، تؤكدُ هذهِ الآيةُ الكريمة، على أنَ الموتَ مصيرٌ محتومٌ لكلِ إنسان، فلا يستثني نبيا، ولا غيره، ثمَ يبعثُ الخلق جميعا للحساب، وإنَ ما يقعُ بينَ الناسِ منْ ظلمٍ أوْ اعتداءٍ أوْ ضياعٍ للحقوقِ لنْ يضيع، بلْ يفصلُ فيهِ يومَ القيامةِ أمامَ اللهِ تعالى، حيثُ تتحققُ العدالةُ الكاملة، ويردُ كلَ حقٍ إلى صاحبه، مما يدعو الإنسان إلى العدل، واجتنابِ الظلم، والاستعدادِ ليومِ الحساب.

   يعد الظلمَ في ميزانِ اللهِ منْ أعظمِ الذنوب، فقدْ حرمهُ على نفسهِ، وجعلهِ محرما بينَ عباده، فقال، ففي الحديثِ القدسي: ( يا عبادي، إني حرمت الظلمَ على نفسي، وجعلتهُ بينكمْ محرما، فلا تظالموا) وقوله سبحانهُ وتعالى: ( ولا يحسبنَ الله غافلاً عما يعملُ الظالمون) (إبراهيم: 42 ) ، فاللهُ لا يغفل، ولا ينسى، ولكنْ يؤخرُ الحساب لحكمة، حتى إذا جاءَ يومُ القيامة، أخذَ كلّ حقٍ لأهلهِ دونَ نقصان.

    يتعرضُ الإنسانُ في هذه الدنيا للظلم، ويعجزُ عنْ استردادِ حقه، وتغلقُ في وجههِ أبواب الإنصاف، لكنَ عدلَ اللهِ لا يغيب، ولا يضيعُ معهُ حقا. ففي يومِ القيامةِ تقامُ محكمةْ العدلِ الإلهية، حيثُ لا قاضيَ إلا الله سبحانهُ وتعالى، ولا تخفى فيها حقيقة، ولا يحتاجُ الأمرُ إلى شهودٍ منْ البشر، إذْ تشهدُ الجوارحُ نفسها على ما اقترفهُ الإنسان، قالَ تعالى: ( يومَ تشهدُ عليهمْ ألسنتهمْ وأيديهمْ وأرجلهمْ بما كانوا يعملون) (النور: 24).

 في ذلكَ اليومِ يتحققُ العدلُ الكامل، فلا ينقصُ أحدا منْ حقه، ولا يزادُ في ظلمه، كما في قوله سبحانهُ وتعالى: ( ولا يظلمُ ربك أحدا) (الكهف: 49 ) .

  هنا تتجلى العدالةُ الإلهيةُ المطلقةُ، التي لا تعرفُ خطأ، ولا ميلا، وفي ذلكَ عبرة للإنسان؛ فلا يغترُ بإمهالِ اللهِ للظالم، فإنَ تأخيرَ العقوبةِ ليسَ إهمالا، وإنما هوَ إمهالٌ لحكمة، فمنْ زاغَ عنْ عقابِ الدنيا قدْ يظنُ أنهُ نجا، لكنهُ لمْ ينجُ منْ حسابِ الآخرة.

   قالَ سبحانه وتعالى: ( فمنْ يعملْ مثقالَ ذرةٍ خيرا يره، ومنْ يعملْ مثقالَ ذرةٍ شرا يره) (الزلزلة: 7- 8) ، فكلّ ظلم، مهما صغر، محفوظا، وكلّ حق، مهما ضاع، سيعود، فيومٌ لا ينفعُ فيهِ إلا العدل، ففي الآخرةِ تردُ الحقوقَ إلى أصحابها، ويقفُ الجميعُ بينَ يدي الله الحكم العدل، فلا يضيعُ حق، ولا يظلمُ أحدُ مثقالِ ذرة.

   فليحذرَ الإنسانُ ظلما الناس، وليتذكرَ أنَ كلَ مظلمةٍ ستقتصُ يومَ القيامة، حيثُ لا ينفعُ مالٌ ولا جاه، وإنما ينجو منْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ وعمل صالح.

 

 

 


مشاهدات 50
الكاتب محمَّد خضير الأنباريِّ
أضيف 2026/07/09 - 1:08 PM
آخر تحديث 2026/07/09 - 2:40 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 710 الشهر 9344 الكلي 15914471
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير