حينَ يفتحُ الصباحُ بابَ اللقاءِ
محمد خضيرِ الأنباريِ
في ذلكَ الصباحِ الهادئ، وما إنْ أوقفَ سيارتهُ في المرآب، في المكانِ الذي اعتادَ أنْ يركنها فيهِ كلَ يوم، حتى وقعتْ عيناهُ عليها، كانتْ تقفُ في الجهةِ المقابلة، تستندُ إلى الجدارِ في هدوءٍ يخفي عاصفةً منْ المشاعر، لمْ تكنْ تنتظرهُ فحسب، بلْ كانتْ تعيشُ كلَ دقيقةٍ منْ انتظاره.
كانتْ ترفعُ بصرها إلى ساعتها بينَ الحينِ والآخر، ثمَ تعودُ بعينيها إلى المكانِ الذي سيطلُ منه، وكأنها تستعجلُ الزمنَ أنْ يرحمَ قلب أثقلهُ الشوق، كانتْ عقاربَ الساعةِ تمضي ببطءٍ قاسيا، بينما كانتْ نبضاتها تسبقها، تتراقصُ بينَ الأملِ والحنين، حتى غدٍ الانتظار عمر كامل. وحينَ لمحها، أدركَ منْ نظرةِ عينيها أنها لمْ تأتِ إلى ذلكَ المكانِ مصادفة، بلْ جاءتْ تحملُ في قلبها لهفةْ اللقاء، وفي عينيها حديثا أطول منْ كلِ الكلمات، وكأنَ المسافةَ بينهما لمْ تكنْ سوى امتحانٍ صامتٍ لصبرِ المحبين.
تقفُ هناك، كأنها سبقتْ الزمن إلى موعده، أوْ كأنَ ساعاتِ الانتظارِ الطويلة، قدْ مرتْ فوقَ ملامحها، فتركتْ عليها أثرا لا تخطئهُ العين، وما إنْ وقعَ بصرهُ عليها، حتى بادرها بابتسامةٍ هادئة، بالقول: (أسعدَ اللهُ صباحك ) ، فأشرقتْ على شفتيها ابتسامةٌ عريضة، لمْ تكنْ مجرد ردٍ على التحية، بلْ كانتْ انفراجا لقلبٍ أثقلهُ القلق، وطمأنينة جاءتْ بعدَ ليلةٍ طويلةٍ منْ الأسئلة.
كانَ قدْ فارقها في الأمسِ مثقلاً بالغضب، وتركها وحيدة بينَ الحيرةِ والظنون، تتقلبُ في خاطرها مخاوفُ لا تنتهي، وتوقنُ أنها، قدْ أساءتْ إليه، وأنَ الصمتَ الذي ودعها بهِ لنْ يعقبهُ حديث، لكنها لمْ تكنْ تدركُ أنَ للقلبِ منطقا يختلفُ عنْ منطقِ اللسان؛ فالقلب، إذا أحب، ظلَ بابهُ مواربا لا توصدهُ نزوةْ غضب، ولا عثرة عتاب، أما اللسان، فكثيرا ما يعجزُ عنْ حملِ ما يضج بهِ الداخل، فيلوذُ بالصمتِ حينَ تخذلهُ الكلمات.
هنا، يكمنُ الفرقُ بينَ صمتِ الكلامِ وصدقِ المحبة، بينَ عتبِ العابرينَ وحنينِ القلوبِ التي لا تعرفُ الفراق. تتحدثُ طويلاً … بينَ عتابٍ رقيق، وكلمات متقطعة، ودموع كانتْ تحاولُ الاختباءَ خلفَ ابتسامةٍ خجولة. ثمَ ابتسمتْ له.
في تلكَ اللحظة، شعرت، وكأنَ روحها قدْ عادتْ إليها، وكأنَ حملاً ثقيلاً أزيحَ عنْ قلبها، وبدأتْ تتمتمُ بصوتٍ امتزجَ فيهِ الشوقُ بالتعب: قضيت الليلَ كلهُ أفكرُ … متى يأتي الغد؛ لأراك، حتى لوْ كنت غاضبا، رؤيتك وحدها تردُ إلى روحي، وتعيدني إلى نفسي الحقيقية، وتخففُ عني كلّ هذا الضغطِ الذي أحمله.
كانتْ كلماتها صادقةً إلى درجة، أنَ الصمتَ بعدها بدا أبلغ منْ أيِ حديث، تلاقتْ الأيدي في دفءٍ صامت، وتصافحتْ الأرواحُ قبلَ الأجساد، ثمَ انطلقا نحوَ عملهما، لكنْ بخطواتٍ أخف، وقلبِ أكثرِ طمأنينة.
أمّا أصدقاؤهما، الذين اعتادوا أن يكونوا شهودًا على فصول حكايتهما الصغيرة، فقد أشرقت وجوههم بابتساماتٍ صادقة، وكأنّ الفرح وجد إليهم سبيلًا أخيرًا، كانوا يدركون أنّ الحب الحقيقي لا يسير في طريقٍ معبّدٍ بالطمأنينة دائمًا، بل يمرّ أحيانًا بليالٍ مثقلةٍ بالحزن، وساعاتٍ طويلةٍ من الانتظار، غير أنّه كلّما عاد، عاد أكثر دفئًا، وأصفى روحًا، وأشدّ رسوخًا.
وهكذا هي الحياة... لا تخلو من العتاب، ولا تعصم القلوب من الدموع، ولا تُعفي الأرواح من صمتٍ يثقلها حينًا. لكنها، برحمتها الخفية، تمنح القلوب الصادقة مع كل صباح فرصةً جديدة؛ فرصةً لتقول ما عجزت الكلمات عن قوله بالأمس، ولتُصلح ما أفسدته لحظة انفعال، ولتؤكد أن المحبة الصادقة لا تنكسر أمام غضبٍ عابر، ولا يخبو نورها بسبب سوء فهمٍ مؤقت.
ما أجمل اللقاء ، حين يأتي بعد طول انتظار، وما أدفأ الابتسامة، عندما تولد من رحم الحنين، بعد ليلةٍ أثقلها الحزن وأرهقها الاشتياق، فبعض المشاعر لا تزيدها المحن، إلا نقاءً، ولا يمنحها الزمن، إلا مزيدًا من العمق والجمال.