الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كرة الشحم... حين يكون البغاء في الضمير لا في الجسد 

بواسطة azzaman

كرة الشحم... حين يكون البغاء في الضمير لا في الجسد 

صلاح العذاري

 

لم يكن غي دي موباسان يكتب عن امرأة بدينة تعمل في البغاء، ولم يكن معنيًا بإثارة شفقة القارئ على مصيرها، بل كان يكتب عن الإنسان عندما يكتشف أن المجتمع الذي ادّعى الفضيلة لم يكن سوى سوق كبيرة لتبادل المصالح، وأن أكثر الناس حديثًا عن الشرف قد يكونون أقلهم استعدادًا لدفع ثمنه.

 

لقد ارتكب موباسان جريمة أدبية لا تُغتفر في نظر المجتمع المحافظ؛ إذ انتزع الفضيلة من أصحاب الألقاب، وألبسها امرأةً احتقرها الجميع. وكأنه أراد أن يقول إن الأخلاق ليست وظيفة اجتماعية، ولا لقبًا سياسيًا، ولا عباءةً دينية، بل امتحان لا ينجح فيه إلا من دفع ثمنه.

 

كانت "كرة الشحم" تحمل خطيئةً معلنة، أما رفاقها فكانوا يحملون خطايا مغطاة بالحرير والذهب والكلمات المنمقة. ولهذا لم تكن المشكلة يومًا في المرأة، بل في المجتمع الذي احتاج إلى جسدها ثم احتقرها لأنها أنقذته.

 

وهنا تبدأ المأساة الإنسانية التي تتكرر في كل عصر.

 

فالسلطة، أي سلطة، لا تعيش على قوتها وحدها، بل على قدرتها في إقناع الآخرين بأن يقدموا لها التضحيات مجانًا. إنها لا تسرق الإنسان بالقوة فقط، بل تسرقه أخلاقيًا؛ تجعله يظن أن التضحية من أجلها فضيلة، بينما تكون هي أول الهاربين عندما يحين موعد التضحية.

 

كم يبدو هذا المشهد مألوفًا!

 

كم من سلطة رفعت راية الدين، لا لأنها تخشى الله، بل لأنها تعرف أن الإنسان يخضع لما يقدسه أكثر مما يخضع للسلاح.

 

وكم من سياسي اكتشف أن المنبر الانتخابي يبدأ بخطبة وعظ، وينتهي بعقد صفقة.

 

وكم من مسؤول جعل الوطن شعارًا في النهار، ثم جعله غنيمةً يتقاسمها في الليل.

 

إن الاستبداد لا يبدأ بالدبابة، بل يبدأ بالكلمة التي تُستعمل لتخدير الضمير.

 

فالطغاة لا يطلبون من الناس أن يكفروا بالمبادئ، بل يطلبون منهم أن يؤمنوا بأن الطاغية هو المبدأ.

 

ولهذا يصبح الدين وسيلة، والوطن وسيلة، والحرية وسيلة، وحتى دماء الشهداء تتحول إلى وسيلة.

 

وحين تتحول القيم إلى وسائل، يموت الإنسان قبل أن يموت الجسد.

 

إن أخطر ما في قصة "كرة الشحم" أنها لا تحاكم امرأة باعت جسدها، بل تحاكم مجتمعًا باع ضميره.

 

ذلك أن بيع الجسد قد يكون ثمرة الفقر أو القهر أو الحاجة، أما بيع الضمير فلا يولد إلا من الطمع.

 

وهنا يظهر الفرق الهائل بين الفقير الذي تبتلعه الظروف، وبين النخبة التي تبتلع الشعوب.

 

لقد كان ركاب العربة أكثر احترافًا للبغاء من المرأة نفسها، لأنهم لم يبيعوا أجسادهم، بل باعوا إنسانيتهم، ثم قبضوا الثمن على هيئة احترام اجتماعي.

 

وهل يوجد بغاء أشد قسوة من أن يبيع الإنسان ضميره ثم يطالب الناس باحترامه؟

 

إن البغاء الحقيقي يبدأ عندما تتحول المبادئ إلى بضاعة.

 

حين يُؤجَّر الدين لمن يدفع أكثر.

 

وحين يُؤجَّر القانون لمن يملك النفوذ.

 

وحين يُؤجَّر الإعلام لمن يملك المال.

 

وحين يُؤجَّر التاريخ لمن يكتب رواية المنتصر.

 

وحين يُؤجَّر الضمير لمن يمنح الامتيازات.

 

عندها لا يعود الإنسان يعيش في دولة، بل في سوق؛ كل شيء فيها قابل للبيع، حتى الحقيقة.

 

وهكذا يصبح السياسي تاجرًا للآلام، لا ممثلًا للشعب.

 

يتاجر بخوف الناس.

 

ويتاجر بإيمانهم.

 

ويتاجر بذاكرة الشهداء.

 

ويتاجر بالفقراء.

 

ويتاجر بالنساء.

 

ويتاجر بالأطفال.

 

ويتاجر بالمظلومين.

 

ثم يقف أمام الكاميرات متحدثًا عن الأخلاق!

 

يا لها من مفارقة موجعة...

 

إن التاريخ يعلمنا أن الطغاة لا يصنعون الكوارث وحدهم، بل يصنعها أيضًا أولئك الذين يزينون لهم أفعالهم، ويمنحونهم غطاءً أخلاقيًا، ويقنعون الضحايا بأن الألم قدرٌ لا يجوز الاعتراض عليه.

 

ولهذا فإن أخطر أنواع البغاء ليس أن يبيع الإنسان جسده، بل أن يبيع عقله، ثم يبيع لسانه، ثم يبيع ضميره، ثم يجعل من كل ذلك فلسفةً يدافع عنها.

 

فالمرأة في قصة موباسان خسرت شيئًا من جسدها، لكنها احتفظت بقلبها.

 

أما النبلاء، فقد احتفظوا بأجسادهم، لكنهم فقدوا قلوبهم إلى الأبد.

 

وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى التي يخشاها كل مستبد وكل منافق: ليست الرذيلة فيما يفعله الجسد، بل فيما يعتاده الضمير.

 

فالجسد قد يسقط مرة، ثم ينهض.

 

أما الضمير، إذا اعتاد المتاجرة بالإنسان، فإنه يحول الظلم إلى نظام، والاستغلال إلى سياسة، والنفاق إلى ثقافة، والخداع إلى وطن.

 

وحين تبلغ الأمم هذه المرحلة، لا يعود السؤال: من يحكمها؟

 

بل يصبح السؤال: كم بقي فيها من بشر لم يتحولوا إلى أدوات؟

 

ولهذا ستبقى "كرة الشحم" واحدة من أكثر الصفعات الأدبية إيلامًا في تاريخ الفكر الإنساني؛ لأنها لم تُعرِّ المرأة، بل عرَّت المجتمع، ولم تُدن الضعيف، بل أدانت من صنع ضعفه ثم ارتدى ثوب الفضيلة وهو يعيش على جراحه.

 

إن الحضارات لا تسقط يوم تكثر فيها الرذائل، وإنما يوم تصبح الرذيلة مؤسسة، والنفاق دستورًا، واستغلال الإنسان سياسةً مشروعة، ويُقاس الشرف بعدد الخطب التي تُلقى، لا بعدد المظلومين الذين أُنصفوا.

وعندها... لا يعود في العربة امرأة واحدة تعمل بالبغاء، بل تصبح العربة كلها تسير نحو الهاوية.

 

 

د _


مشاهدات 57
الكاتب صلاح العذاري
أضيف 2026/07/04 - 1:20 AM
آخر تحديث 2026/07/04 - 2:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 169 الشهر 3340 الكلي 15908467
الوقت الآن
السبت 2026/7/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير