الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نحيب الشيبة المباركة

بواسطة azzaman

نقطة ضوء

نحيب الشيبة المباركة

محمد صاحب سلطان

 

شاءت الصدفة أن ألتقي في الشتاء المنصرم بصديق قديم، أثناء تجاورنا في حافلة نقل عام، كان الرجل يتململ في جلسته من الأجواء الباردة التي تجعل المرء في حالة من الشد الذهني والتحفز، مما يتولد لديه شعوراً بالحركة اللآ إرادية، فرك اليدين مع بعضهما البعض،تحريك القدمين بطريقة مستمرة كلما إستطاع إلى ذلك، النفخ في راحتيه مع قلب ياقة ردائه الثقيل أكثر من مرة ترافقها نظرات قلقة، ولا أدري هل كان يريد أن يلفت نظري ويثير إهتمامي،بعد أن شاهدني سارح في أفق أبعدني عنه، وفجأة سألني: ألم تعرفني؟، تعثرت في الإجابة، قال بلهجة لا يمكن إخفاء نبرة التهكم فيها، (أنا فلان،زميلك في المتوسطة)، فتذكرت سحنته المحببة وأيام شقاوة الصبا، قلت معتذرا ومعانقا (هرمنا يا صديقي وبات خراب الحياة على خرائط وجوهنا)، ضحك وقال: بل خرجت شبحا كما تراني، أصبت بالسكر وإرتفاع الضغط وقرحة المعدة وعطل المفاصل فضلاً عن مشاكل القلب، هذا ما عدا ما في الداخل من خراب!، ناهيك عن عن عقوق من وثقنا بهم ومنحناهم كل حياتنا (الأبناء والأقارب والأصدقاء وزملاء العمل)، حتى صرت أردد دوماً ما قاله الشاعر عن الشيخوخة (فصرت الآن منحنيا كأني... أفتش في التراب عن شبابي)!؟

قلت: الكبر يا صديقي سنة الحياة ودورتها، وأعتبر ما مر تجربة، بل وتجربة مريرة، وعليك أن تتجاوز مخلفات العجز، وأن تبتعد عن كل ما يذكرك بمرارتها، فنحن لسنا الوحيدين ممن يعيشون حياة الكهولة، ففي العراق اليوم ما يربو على مليون ومئتي ألف مسن، والمسن قانونا، هو كل من تجاوز الستين عاماً، ويشكلون ثلاثة بالمئة من نسبة السكان، وفق آخر تعداد سكاني، ولا شك إن هذه الشريحة المباركة التي خدمت المجتمع طويلاً وأفنت شبابها من أجله، بحاجة إلى الخدمات والرعاية الاجتماعية والصحية والنفسية والثقافية والترفيهية، وبحاجة إلى متابعة متواصلة تضمن أخذ العلاج بمواعيده، وتأمين ومراقبة النظام الغذائي الخاص بهم، وقضاء الحاجات المناسبة لهم، وتلك هي مسؤولية الأبناء تجاه آبائهم وأمهاتهم، وأذكر الجميع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس منا من لم يرحم صغيرنا..ويعرف شرف كبيرنا)، وقوله (ألا أحدثكم بإكبر الكبائر، قالوا: بلا يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين)..

فلا خير في شباب لا يعاملون المسنيين كما يعاملون آباءهم وأمهاتهم، ولا خير في أبناء يعقون آبائهم وأمهاتهم ولا يبرونهم.. فألتمعت عينا الصديق بدموع تقافزت مثل حبات اللؤلؤ، وزفر صدره بنحيب أثقلته أعوامه السبعين، وهو يسرد عليّ سنين تقاعده المنصرمة، والنظرة إلى المتقاعدين، وكأن تلك الشريحة قد إنتهت صلاحية خدمتها، ولا شيئ يشغلها سوى الركون إلى الفراغ،والإنتظار إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، حتى بات البعض ينظر إلى المتقاعد، نظرة اللامبالاة وكأنه طفل يلهو بإلعابه!.. وفي ضوء ذلك، نحتاج كمجتمع كان يرفل بحسن العلاقات والضوابط الأسرية المتينة إلى هزة وصدمة تسفر عن صحوة، تعيد بعضنا إلى صواب رشده الذي فقده جراء ماديات الحياة وتوافه مغرياتها اللحظوية، والتي أنسته واجباته الأسرية والقيمية والأخلاقية، تسهم بها (الدولة والمجتمع والإعلام والمؤسسات الدينية) وتنتج عنها معايير لتعديل الميل تجاه الكبير الذي ينظر إليه بعين الإستصغار، من دون أن يعي الآخرون ،بإن الدنيا دوارة، وكلنا لاحقاً سندخل الدائرة ذاتها، لذلك علينا أن نساعد ونجلّ تلك الشريحة لا أن ننتقص ونقلل من أهميتها، فهم شموع الحياة التي أنارت لنا الطريق، ولولاهم لما عشنا بحبوحة الحياة الرغيدة، فبارك الله بمن يشجع على فعل الخير، والسلام.

 


مشاهدات 71
الكاتب محمد صاحب سلطان
أضيف 2026/07/04 - 1:13 AM
آخر تحديث 2026/07/04 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 170 الشهر 3341 الكلي 15908468
الوقت الآن
السبت 2026/7/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير