الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حينَ يكتبُ الإعلامُ اسمَهُ… يُولدُ وطنٌ من شاسة

بواسطة azzaman

حينَ يكتبُ الإعلامُ اسمَهُ… يُولدُ وطنٌ من شاسة

رافد حميد فرج القاضي

 

سعد البزاز...

​ذلِكَ الذي لم يكتفِ

بأن يرى

بل قررَ أن يجعلَ الآخرينَ يرونَ...

ذلِكَ الذي حملَ صوتَهُ

من الموصلِ

ومشى بهِ حتى صارَ صدىً

يوقظُ المدنَ النائمةَ

في داخلِها

لم تكن شاشة

كانت نافذةً تُفتحُ

على العراقِ

كلما ضاقَ بهِ العالمُ،

ولم تكن نافذةً فحسب

بل قلبٌ كبيرٌ

يتّسعُ لصوتِ أمٍّ

ودمعةِ ارملة

وحكاية طفلٍ

يحاولُ أن يكبرَ

قبلَ أوانِهِ

​يا سعدُ

أيها العابرُ من الورقِ

إلى الضوءِ

كيفَ استطعتَ

أن تجعلَ الخبرَ نبضاً...؟

والحكايةَ وطناً...؟

كيفَ جعلتَ من الحرفِ

رصاصةً ضدَّ الصمتِ

ومن الكلمةِ جسراً يعبرُ

عليهِ الناسُ

من الخوفِ… إلى القولِ...؟

​لم تكن مجردَ مؤسسِ قناةٍ

بل كنتَ فكرةً...

كبرتْ حتى صارتْ أثيراً

وصارَ الأثيرُ مرآةً لوطنٍ

يبحثُ عن نفسِهِ

في ازدحامِ الوجعِ

​من لندنَ

حيثُ الغربةُ تكتبُ

أسماءَها على النوافذِ

كنتَ تكتبُ العراقَ

بصوتٍ أعلى...

كأنكَ تقولُ:

الوطنُ لا يُغادرُ

بل يسافرُ فينا

​يا ابنَ الموصلِ...

يا من حملَ المدينةَ

في صوتِهِ

وفي صمتِهِ

وفي اختياراتِهِ

التي لم تكن سهلةً

كنتَ تعرفُ أنَّ الحقيقةَ

لا تُقالُ بلطفٍ

وأنَّ الضوءَ قد يوجعُ العيونَ التي اعتادتِ الظلامَ

​فكتبتَ

وأنشأتَ

وبنيتَ من الكلماتِ قناةً

ومن القناةِ منبراً...

ومن المنبرِ حكايةَ شعبٍ

لا يريدُ أن يُختصرَ

​أنتَ لم تصنعْ إعلاماً فقط

بل صنعتَ مساحةً

ليتنفسَ فيها المختلفونَ

ليصرخوا...

ليحكوا...

ليكونوا

​أيها الرجلُ الذي لم يقفْ

عندَ حدودِ الحكايةِ

بل صارَ هو الحكايةَ...

يا من جعلَ من "الشرقيةِ"

اتجاهاً ليس قناةً

ومن الصوتِ قدراً لا خياراً

كلما اشتدَّ الصمتُ

كانَ اسمُكَ يُقالُ...

كأنهُ بدايةُ جملةٍ جديدةٍ

وكلما ضاقَ الوطنُ

اتسعَ أثيرٌ...

يحملُ نبضَهُ

​فهل كنتَ تعلمُ

أنكَ لم تؤسسْ قناةً...؟

بل أسستَ ذاكرةً

أسستَ ذاكرةً

لا تُمحى تتحدثُ...

حتى حينَ ينطفئُ

الصوتُ وتبقى...

حتى حينَ يغيبُ الجسدُ

​يا سعدُ

يا من كتبَ العراقَ

بأكثرَ من لغةٍ:

لغةِ الصورةِ...

لغةِ الجرأةِ...

لغةِ البقاءِ رغمَ كلِّ شيءٍ

​سلامٌ عليكَ

حينَ كنتَ فكرةً...

وحينَ صرتَ مشروعاً...

وحينَ أصبحتَ أثراً

لا يُغادرُ

​وسلامٌ عليكَ

حينَ يهتزُّ الاسمُ

في قلوبِ الذينَ

رأوا الحقيقةَ

لأولِ مرةٍ

على مِنبرٍ

​لأنكَ ببساطةٍ

لم تكن إعلامياً ...

كنتَ صوتاً

حينَ كانَ الصمتُ

هو الأعلى...

​وفي النهايةِ

لا تُقاسُ الحكاياتُ

بمن بدأها بل بمن ظلَّ

واقفاً  فيهاحينَ تعبَ الجميعُ

​وهنا عندَ هذهِ النقطةِ

التي يختلطُ

فيها الضوءُ بالتعبِ

والصوتُ بالصدى

والبدايةُ بما لا ينتهي

يقفُ اسمُكَ

ليس خاتمةٍ نصٍّ

بل بدايةٍ أخرى

تكتبُ نفسَها من جديدٍ

​لأنَّ الذينَ يشبهونَكَ

لا يختتمونَ الأشياءَ

بل يفتحونَ أبوابَها

على احتمالاتٍ لا تُغلقُ

​أنتَ لم تكن عابراً

في زمنٍ مضطربٍ...

بل كنتَ واحداً

من أولئكَ الذينَ يعيدونَ

ترتيبَ الفوضى

بهدوءٍ يشبهُ اليقينَ...

تمضي وكأنكَ تعرفُ الطريقَ

حتى حينَ لم يكنِ

الطريقُ واضحاً وتتكلمُ...

وكأنَّ الكلماتِ تعرفُكَ

قبلَ أن تعرفَها

​كم من صوتٍ مرَّ من هنا

ثمَّ اختفى...!

وكم من صورةٍ

لم تصمدْ أمامَ أولِ ريحٍ

من النسيانِ...!

لكنَّ ما يشبهُكَ

لا يُمحى بسهولةٍ...

لأنهُ لم يُبْنَ على لحظةٍ

بل على فكرةٍ...

والفكرةُ حينَ تصدقُ

تتحولُ إلى عمرٍ كاملٍ

​وهكذا تصبحُ

الحكايةُ أكبرَ

من صاحبِها...

والأثرُ أوسعَ من المكانِ

والاسمُ ليسَ مجردَ حروفٍ

بل ذاكرةٌ تمشي

 بينَ الناسِ دون أَنْ تُرى

​قد يظنُّ البعضُ

أنَّ الإعلامَ أثيرٌ...

وأنَّ الحكايةَ تنتهي

حينَ ينطفئُ البثُّ

لكنَّ ما لم يفهموهُ بعدُ

أنَّ بعضَ المنابرِ

لا تنطفئُ...

لأنها انتقلتْ من الجدارِ

إلى القلوبِ ومن القلوبِ

إلى ما هو أبعدُ من الزوالِ

​وهنا تحديداً

حيثُ تصبحُ الكلمةُ مسؤوليةً...

والصوتُ موقفاً

والصمتُ أحياناً خيانةً

كنتَ هناكَ...

لا تبحثُ عن مجدٍ شخصيٍّ

بل عن معنىً...

يستحقُّ أن يُقالَ

ولا عن حضورٍ عابرٍ

بل عن أثرٍ...

يبقى حينَ يغيبُ

كلُّ شيءٍ

​فما الذي يبقى إذن...؟

ليسَ الضوءُ

ولا الضجيجُ

ولا حتى التصفيقُ

الذي يبقى هو ذلِكَ

الشعورُ الخفيُّ

الذي يسكنُ الناسَ

حينَ يشعرونَ

أنَّ هناكَ مَنْ قالَ عنهم

ما لم يستطيعوا قولَهُ

​وذلِكَ هو أصعبُ

أنواعِ الحضورِ

أن تكونَ صوتاً لغيرِكَ

دون أن تفقدَ صوتَكَ

وأن تحملَ وجعَهم

دون أن تنكسرَ

وأن تمضي

في طريقٍ طويلٍ

دون أن تتعبَ

من الإيمانِ بما تفعلُ

​يا سعدُ

إن كانتِ البداياتُ

تُكتبُ بالحماسِ

فإنَّ النهاياتِ العظيمةَ

تُكتبُ بالصبرِ

وأنتَ لم تصلْ

إلى ما أنتَ عليهِ...

لأنَّ الطريقَ كانَ سهلاً

بل لأنكَ كنتَ أصلبَ

من كلِّ ما حاولَ

أن يوقفَكَ

​إنَّ هذهِ ليست خاتمةً...

بل استراحةُ معنىً

في نصٍّ لم يُكتبْ

بعدُ بالكاملِ

​سيأتي من يقرأُ

ومن يشاهدُ

ومن يتساءلُ:

كيفَ بدأتِ الحكايةُ...؟

لكنَّ الأهمَّ

أنهُ سيشعرُ

أنها لم تنتهِ بعدُ

​لأنكَ ببساطةٍ

لم تكن قصةً تُروى

بل كنتَ.اتجاهاً يُتّبعُ...

ولم تكن مرحلةً تُذكرُ

بل زمناً...

يُقاسُ بهِ ما قبلَهُ

وما بعدَهُ

​وهكذاحينَ

تُطوى الصفحاتُ

وتُغلقُ الكتبُ

وتخفتُ الأصواتُ

يبقى شيءٌ واحدٌ هو الأثرُ...

​وأنت كنتَ من أولئكَ

الذينَ لا يمرُّونَ

دون أن يتركوا خلفَهم

وطناً أكثرَ وضوحاً

وصوتاً أكثرَ شجاعةً

وحكايةً لا تعرفُ

كيفَ تنتهي...؟

 

 


مشاهدات 35
الكاتب رافد حميد فرج القاضي
أضيف 2026/06/27 - 2:03 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 3:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 175 الشهر 25627 الكلي 15901108
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير