المنابر الحسينية وآداب المجالس
جبار فريح شريده
تمثل المنابر الحسينية إحدى أهم المنابر الفكرية والتربوية في المجتمع، فهي ليست مجرد مناسبة لإحياء ذكرى عاشوراء، بل مدرسة أخلاقية وثقافية تُرسّخ قيم الإصلاح والعدالة والرحمة التي نهض من أجلها الإمام الحسين عليه السلام. وقد حافظت هذه المجالس عبر الأجيال على دورها في بناء الوعي وتعزيز الهوية الدينية والاجتماعية، بما تحمله من رسائل تربوية وإنسانية.
ولكي تؤتي هذه المجالس ثمارها، فإن لها آدابًا ينبغي أن يتحلى بها الحاضرون. وفي مقدمة تلك الآداب إخلاص النية لله تعالى، والحرص على الاستماع باهتمام واحترام للخطيب، والابتعاد عن كل ما يشتت أجواء المجلس من أحاديث جانبية أو استخدام غير ضروري للهواتف المحمولة. كما أن المحافظة على الهدوء والنظام واحترام أماكن الجلوس تعكس تعظيم شعائر الله وحسن تقدير المناسبة.
ومن الآداب المهمة أيضًا احترام جميع الحاضرين، كبارًا وصغارًا، والتعاون مع القائمين على تنظيم المجلس، وإفساح المجال لكبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة، والمحافظة على نظافة المكان وعدم الإسراف في الطعام أو الماء المقدم للمعزين. فهذه السلوكيات البسيطة تجسد الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وتمنح المجلس صورته الحضارية الراقية.
إن المنبر الحسيني يحمل رسالة إصلاحية قبل أن يكون منبرًا للعاطفة، فهو يدعو إلى التمسك بالقيم، ونبذ الظلم، وتعزيز روح المسؤولية والانتماء للمجتمع. ومن هنا فإن نجاح المجلس لا يقاس بعدد الحاضرين فحسب، بل بقدر ما يتركه من أثر في السلوك والأخلاق، وما يزرعه في النفوس من وعيٍ وإيمانٍ وعملٍ صالح.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل التأثير الإعلامي، تبقى المجالس الحسينية منبرًا أصيلًا لصناعة الوعي، إذا ما التزم الجميع بآدابها واحترام رسالتها. فحسن الاستماع، والانضباط، والاحترام المتبادل، وتحويل ما يُسمع إلى سلوك عملي، هي أفضل صورة لتجسيد مبادئ الإمام الحسين عليه السلام في حياتنا اليومية.