الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يرتدي الرقيب جبّة الذبّاح

بواسطة azzaman

حين يرتدي الرقيب جبّة الذبّاح

عبدالمنعم حمندي

 

ما أقبحَ أن يقفَ الوجدانُ مَذعوراً في مَحاكمِ التفتيشِ الفكريّة! وما أشدَّ نَكراءَ هذا الزمَنِ الذي يُقادُ فيه الحَرفُ الخالصُ إلى المَقصلةِ، لا لجُرمٍ جَناه، بل لأنَّ عَقلاً مَحكوماً بـ»خوفِ السيفِ وحساباتِ السلطان» قررَ أن يَمشطَ أحلامَ الشاعرِ بمشطِ الهَواجسِ والظُّنون.

إنَّ أسوأَ مَنْ أنجبتْه المَطابخُ الثقافيّةُ في كُلِّ دَهرٍ، هُم رقباءُ الشِّعرِ. أولئك الذين لم تلمسْ قلوبَهم لفحةُ وجدٍ، ولم تهزّ أرواحَهم غُربةُ فكرة. يأتونَ بَأدواتِهم الجافةِ ليَحكموا على المَجازِ الرَّحبِ، فيتحولونَ من فاحصي نُصوصٍ إلى مُصادري أنْفُسٍ، يذبحونَ الرُّوحَ بسكينِ «التأويلِ المتعسِّفِ»، ويَغرسونَ نِصالَ أوهامِهم في جَسدِ القصيدةِ الوجدانيّةِ الطّاهرة. كيفَ يستوعبُ عقلُ المَؤسسةِ الضّيقِ أنَّ الشاعرَ حين يَبكي، أو يَعشقُ، أو يَتمرّدُ على قيدِ الطّينِ، إنَّما يمارسُ طقساً صوفياً كَونياً؟ كيفَ يَفهمُ مَنْ يَقيسُ الثقافةَ بمساطرِ المَنعِ والمنحِ، أنَّ الشعرَ كائنٌ حُرٌّ لا يَدخلُ بيتَ الطّاعةِ السياسيّة، ولا يُباعُ في أسواقِ الولاءِ الزَّائف؟

أن تُحاكَمَ النوايا ويُصادرَ النِّتاجُ بذريعةِ «تأويلٍ سياسيٍّ عابرٍ»، لهو اعتداءٌ سافرٌ على خمسةِ عُقودٍ من الحبرِ النَّزيه. هو إعلانُ إفلاسٍ للوعيِ، وتغيبٌ مَقصودٌ لكلِّ صَوتٍ يَرفضُ أن يكونَ صَدىً لعزفٍ رخيصٍ. لكنَّ الطُّغيانَ الثقافيَّ غافلٌ؛ فالسَّيفُ يَعلو ثمَّ يَنكسِر، والسُّلطانُ يَزولُ ويُمحى، والرقيبُ يَموتُ خلفَ مكتبِهِ مَنسياً، بينما تَبقى القصيدةُ.. تَتوشَّحُ بالصَّمتِ الأبلغِ من كُلِّ مَعاركِهم العَبثيّةِ، وتُحلّقُ بجَناحَي طائرٍ صوفيٍّ، تَسخرُ من القُيودِ، وتَتورَّدُ على رَغمِ أنفِ المَقادِيرِ والمقاصِلِ.


مشاهدات 55
الكاتب عبدالمنعم حمندي
أضيف 2026/07/09 - 2:15 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 6:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 355 الشهر 8989 الكلي 15914116
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير