الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يتحوّل التقاعد إلى عقوبة

بواسطة azzaman

حين يتحوّل التقاعد إلى عقوبة

حازم محمود حميد النعيمي

 

في معظم دول العالم، ينتظر الموظف يوم تقاعده بشيء من السعادة والارتياح. فبعد ثلاثين أو أربعين عاماً من العمل المتواصل والاستيقاظ المبكر وضغوط الوظيفة والمسؤوليات اليومية ينظر كثيرون إلى التقاعد على أنه بداية مرحلة جديدة من الحياة؛ مرحلة يحصل فيها الإنسان على وقت أكبر لعائلته وأحفاده وهواياته، ويشعر بأن الدولة والمجتمع يردان له جزءاً من الجميل مقابل سنوات الخدمة الطويلة. ولهذا السبب تحرص العديد من الحكومات على توفير حزمة واسعة من الامتيازات للمتقاعدين تشمل الرعاية الصحية والنقل المجاني أو المخفض والسكن الميسر والإعفاءات الضريبية والأنشطة الاجتماعية والترفيهية باعتبارها مكافأة مستحقة لمن أمضوا أعمارهم في خدمة أوطانهم.

أما في العراق، فإن التقاعد لا يُستقبل دائماً بالمشاعر ذاتها. فبالنسبة لكثير من الموظفين، لا يمثل موعد الإحالة إلى التقاعد بداية الراحة بقدر ما يمثل بداية القلق. فبدلاً من التفكير بكيفية الاستمتاع بسنوات العمر المتبقية، ينشغل الكثيرون بحساب مقدار ما سيفقدونه من دخل، وما إذا كان الراتب التقاعدي سيكفي لدفع إيجار المنزل أو شراء الدواء أو تأمين متطلبات المعيشة الأساسية. وبينما يشعر المتقاعد في كثير من دول العالم بأنه انتقل إلى مرحلة تحظى بمزيد من الرعاية والدعم، يشعر المتقاعد العراقي في أحيان كثيرة بأنه فقد جزءاً كبيراً من دخله واستقراره دون أن يحصل في المقابل على شبكة أمان اجتماعي تعوضه عن ذلك.

لكن المشكلة في العراق لا تتعلق بقيمة الراتب التقاعدي وحدها، بل بغياب فلسفة متكاملة لرعاية المتقاعد وكبير السن. ففي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على تحسين جودة الحياة بعد التقاعد من خلال مجموعة من الخدمات لمتطلبات الحياة، ما زال المتقاعد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على راتبه التقاعدي لمواجهة هذه المتطلبات. والأسوأ من ذلك أن هذا الراتب غالباً ما يكون أقل بكثير من دخله السابق، في وقت تزداد فيه احتياجاته الصحية والمعيشية وتتراجع قدرته على إيجاد مصادر دخل إضافية.

مستويات متدنية

وعند مقارنة القانون العراقي بالمعايير الدولية، يتبين أن معدل الإحلال التقاعدي، أي نسبة الراتب التقاعدي إلى آخر راتب كان يتقاضاه الموظف قبل إحالته إلى التقاعد، يقع بالنسبة لشريحة واسعة من المتقاعدين العراقيين ضمن المستويات المتدنية مقارنة بالعديد من دول العالم. ففي حين يحصل المتقاعد في عدد من الدول الأوروبية ودول الخليج على ما بين 70 و90 بالمائة من دخله السابق، يواجه كثير من المتقاعدين العراقيين انخفاضاً كبيراً في دخلهم الشهري بمجرد انتهاء خدمتهم الوظيفية وتصل في معظم الاحيان الى ان اقل من نصف أخر راتب تقاضاه. ولا تقتصر المشكلة على هذا الانخفاض فحسب، بل تتفاقم بسبب غياب الامتيازات والخدمات التي تمنحها الدول الأخرى للمتقاعدين لتعويض هذا الفارق.وتشير المؤشرات العالمية المعنية بأنظمة التقاعد، وفي مقدمتها مؤشر Mercer CFA Institute Global Pension Index، إلى أن نجاح أنظمة التقاعد لا يقاس بحجم الراتب التقاعدي فقط، وإنما بقدرتها على توفير حياة كريمة ومستقرة للمتقاعد من خلال مزيج من الدخل والخدمات والحماية الاجتماعية. كما تؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن خطر الفقر بين كبار السن لا يرتبط بقيمة الراتب وحدها، بل أيضاً بتكاليف السكن والعلاج والنقل والخدمات الأساسية.

وهنا تظهر المشكلة الأكبر التي يواجهها المتقاعد العراقي. فالموظف الذي اعتاد طوال سنوات خدمته على راتب معين يبني على أساسه التزاماته المعيشية والعائلية، يجد نفسه بعد التقاعد أمام دخل أقل بكثير، في وقت ترتفع فيه احتياجاته الصحية وتزداد فيه كلفة الحياة. ويصبح الوضع أكثر صعوبة عندما يكون المتقاعد مستأجراً ولا يمتلك منزلاً خاصاً. ففي العراق أصبحت الإيجارات تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة، وفي بعض الأحيان قد يذهب نصف الراتب التقاعدي أو أكثر لتأمين السكن فقط. وهنا يتحول الراتب التقاعدي من وسيلة للعيش الكريم إلى وسيلة للبقاء بالكاد. فبعد دفع الإيجار لا يتبقى ما يكفي لتغطية الغذاء والدواء والكهرباء والنقل وسائر الاحتياجات الأساسية.

وفي المقابل، نجد أن العديد من الدول المتقدمة لا تترك المتقاعد يواجه هذه المشكلة وحده. ففي كندا وألمانيا وهولندا وبريطانيا والدول الإسكندنافية توجد برامج إسكان اجتماعي ومجمعات سكنية مخصصة لكبار السن بإيجارات رمزية أو مدعومة. كما يحصل المتقاعدون من ذوي الدخل المحدود على إعانات سكنية مباشرة تساعدهم على تحمل تكاليف الإيجار. أما في بعض دول الخليج، فتمنح الحكومات أولوية للمتقاعدين في برامج الإسكان والقروض السكنية طويلة الأجل والدعم الاجتماعي.

 أما المتقاعد العراقي فلا توجد له برامج إسكان وطنية خاصة ولا إعانات إيجار ولا مجمعات سكنية مخصصة لكبار السن رغم أن السكن يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجهه بعد انتهاء الخدمة.

ولا يقتصر الأمر على السكن. ففي معظم الدول المتقدمة يحصل كبار السن على بطاقات خاصة للنقل المجاني أو المخفض وتخفيضات في الخدمات العامة وإعفاءات ضريبية ودعم صحي وأولوية في الحصول على بعض الخدمات الحكومية. كما تنظم العديد من الحكومات برامج ترفيهية وسياحية واجتماعية للمتقاعدين بهدف تعزيز اندماجهم في المجتمع والحد من العزلة التي قد ترافق التقدم في العمر.

مساعدات اجتماعية

وفي بعض الدول، يحصل المتقاعدون على قروض ميسرة لترميم منازلهم أو تكييفها مع احتياجاتهم الصحية إضافة إلى خدمات الرعاية المنزلية والمساعدات الاجتماعية. أما في العراق، فإن معظم هذه الامتيازات تكاد تكون غائبة بالكامل ويُترك المتقاعد لمواجهة أعباء الحياة اليومية اعتماداً على راتبه التقاعدي فقط.وما يزيد من الشعور بالظلم أن الرواتب التقاعدية في العراق لا ترتبط بصورة منتظمة بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار. فبينما تعتمد كثير من الدول آليات تلقائية لزيادة المعاشات التقاعدية بما يحافظ على قوتها الشرائية، يبقى المتقاعد العراقي رهين قرارات استثنائية قد تأتي بعد سنوات طويلة من تآكل قيمة راتبه الحقيقية.إن قضية المتقاعدين في العراق ليست قضية مالية فقط، بل قضية عدالة اجتماعية ووفاء وطني. فمن غير المنطقي أن يقضي الموظف ثلاثين أو أربعين عاماً في خدمة الدولة ثم يجد نفسه بعد التقاعد قلقاً بشأن إيجار المنزل أو تكاليف العلاج أو مصاريف الحياة اليومية.فالمتقاعد العراقي لا يعاني من ضعف الدخل وحده، بل من غياب منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية. ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يتجاوز مسألة زيادة الرواتب التقاعدية ليشمل إنشاء برامج إسكان مدعوم للمتقاعدين، وتوفير النقل المجاني أو المخفض، وتقديم الرعاية الصحية المتخصصة لكبار السن وربط الرواتب التقاعدية بمعدلات التضخم وتقديم خدمات اجتماعية وترفيهية تضمن لهم حياة أكثر استقراراً وكرامة.

إن الطريقة التي تتعامل بها الدول مع متقاعديها تعكس مقدار احترامها لمن خدموها طوال حياتهم. وإذا كان الموظف العراقي قد أمضى عمره في خدمة مؤسسات الدولة، فإن أقل ما يستحقه بعد التقاعد هو أن يعيش ما تبقى من عمره بأمان واستقرار وكرامة. أما أن يتحول التقاعد الذي يفترض أن يكون مكافأة على عقود من العطاء، إلى مصدر خوف وقلق ومعاناة، فذلك أمر يستدعي وقفة جادة وإعادة نظر شاملة في طريقة تعامل الدولة والمجتمع مع هذه الشريحة التي قدمت الكثير وما زالت تنتظر الإنصاف.


مشاهدات 74
الكاتب حازم محمود حميد النعيمي
أضيف 2026/07/12 - 3:57 PM
آخر تحديث 2026/07/13 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 113 الشهر 12938 الكلي 15918065
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير