من روما إلى أربيل... الدبلوماسية التي صنعت الاعتراف الدولي
عطا شميراني
ليست المدن العظيمة مجرد أبنية وآثار خالدة، بل هي ذاكرة الحضارات ومختبر التاريخ. وروما ليست عاصمة أوروبية فحسب، بل المدينة التي صاغت مفاهيم الدولة والقانون والإدارة، ومنها انطلقت إحدى أعظم الإمبراطوريات التي عرفتها البشرية. ولهذا، فإن أي تكريم يصدر من روما لا يُقرأ بوصفه بروتوكولًا دبلوماسيًا عابرًا، بل باعتباره رسالة سياسية تعبّر عن رؤية دولة، وتقدير مؤسسة، واعتراف أمة.
وعندما تمنح الجمهورية الإيطالية رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، وسام «فارس الصليب الأكبر لنجمة إيطاليا»، فإنها لا تمنحه قطعةً من معدن نفيس، بل تمنح شهادة ثقة لرجل دولة استطاع، عبر سنوات طويلة، أن يرسّخ مكانة كوردستان على خريطة العلاقات الدولية، وأن يجعل من الدبلوماسية الهادئة جسرًا لبناء الشراكات وتعزيز الثقة.
لقد علّمنا التاريخ أن الدول الرصينة لا توزّع أوسمتها بدافع المجاملة، لأن الأوسمة في السياسة ليست هدايا، بل اعترافٌ بالتجارب الناجحة. فهي تُمنح بعد تقييمٍ دقيق لمسيرة الشخص، ومدى إسهامه في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز العلاقات، وتحويل الحوار إلى سياسة، والسياسة إلى مصالح مشتركة.
ومنذ أكثر من عقدين، اختار نيجيرفان بارزاني طريقًا مختلفًا في العمل السياسي. ففي منطقة اعتادت أن تُدار بمنطق الصراع، جعل من الحوار لغةً دائمة، ومن الانفتاح نهجًا ثابتًا، ومن بناء الجسور أولوية تتقدم على بناء المتاريس. ولذلك استطاع أن يؤسس شبكة واسعة من العلاقات مع العواصم المؤثرة، وأن يحافظ على حضور كوردستان في مراكز صناعة القرار الدولي.
وتخبرنا الفلسفة السياسية أن مكانة الدول لا تُقاس بمساحتها الجغرافية أو بعدد سكانها، بل بمقدار الثقة التي تحظى بها لدى الآخرين. فكم من دولة كبيرة تعيش في عزلة، وكم من كيان محدود الإمكانات استطاع أن يفرض احترامه بحسن إدارته لعلاقاته الخارجية. وفي هذا السياق، نجحت كوردستان، رغم تعقيدات الجغرافيا وتشابكات السياسة، في تقديم نفسها بوصفها شريكًا مسؤولًا يفضّل الحوار على المواجهة، والاستقرار على المغامرة.
ولعل العلاقة بين أربيل وروما تمثل واحدة من أبرز ثمار هذا النهج. فمنذ رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي الإيطالي في أربيل، أخذت العلاقات بين الجانبين تتطور بثبات، ولم تقتصر على السياسة وحدها، بل امتدت إلى التعاون الأمني والاقتصادي والثقافي، وإلى الشراكة في مواجهة الإرهاب، ودعم قوات البيشمركة في واحدة من أكثر المراحل حساسية التي شهدتها المنطقة.
ولم يكن هذا التقارب وليد المصادفة، بل ثمرة سياسة هادئة قامت على التواصل المستمر، والوفاء بالالتزامات، وإدراك أن بناء الثقة يحتاج إلى سنوات طويلة، بينما يكفي قرار متسرع واحد لتبديدها. ولهذا يبدو الوسام الإيطالي تتويجًا لمسارٍ كامل، لا مكافأةً على مناسبة عابرة.
وقد أثبتت التحولات الدولية خلال العقود الأخيرة أن النفوذ لم يعد يُقاس بعدد الدبابات والطائرات فحسب، بل بامتلاك ما يُعرف بالقوة الناعمة؛ أي القدرة على كسب الاحترام، وبناء الشراكات، وإقناع الآخرين بأن التعاون أكثر جدوى من الصراع. وفي هذا المجال، استطاعت كوردستان أن تحقق حضورًا يفوق حجمها الجغرافي، بفضل سياسة خارجية متوازنة، وعلاقات قائمة على الاعتدال والانفتاح.
وفي زمن يعيد فيه العالم رسم خرائط تحالفاته، ويبحث عن شركاء قادرين على صناعة الاستقرار، يصبح امتلاك رصيد من الثقة الدولية أحد أهم عناصر القوة السياسية. ومن هنا، فإن التكريم الإيطالي يحمل رسالة واضحة مفادها أن الاعتدال، والحوار، والاتزان، ما تزال قيمًا تحظى بالاحترام في النظام الدولي.
لكن التاريخ يعلّمنا أيضًا أن التكريم ليس نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية أكبر. فالأوسمة قد تُمنح في لحظة، أما الحفاظ على قيمتها فيحتاج إلى عمل متواصل، وإلى تحويل الثقة الدولية إلى استثمارات، ومشاريع تنموية، وفرص تعليمية، وشراكات اقتصادية، وإنجازات يلمسها المواطن في حياته اليومية.
ومنذ عهد الإمبراطور الفيلسوف ماركوس أوريليوس، ظل سؤال الحكم الرشيد حاضرًا في الفكر السياسي: كيف يخلّد القائد اسمه؟ ولم يكن الجواب يومًا في كثرة الألقاب أو المظاهر، بل في بناء دولة تحظى باحترام العالم، وتمنح شعبها أسباب الاستقرار والأمل. وهذا هو الامتحان الحقيقي لكل تجربة سياسية.
إن تكريم نيجيرفان بارزاني في روما ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل مؤشر على أن كوردستان أصبحت، في نظر كثير من العواصم المؤثرة، شريكًا يُعتمد عليه، وتجربة تستحق الاحترام. وهو مكسب سياسي ومعنوي ينبغي أن يتحول إلى رصيد يخدم مستقبل الإقليم، ويعزز حضوره في النظام الدولي!
لقد سقطت إمبراطوريات لأنها اعتمدت على القوة وحدها، بينما بقيت أمم لأنها أدركت أن الحكمة أطول عمرًا من السلاح، وأن الجسور أبقى من الأسوار، وأن الاحترام الذي تمنحه الدول لا يُشترى بالمال، ولا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالصبر، والرؤية، وحسن إدارة العلاقات!
وهكذا، لم يكن الوسام الذي عُلّق في روما على صدر نيجيرفان بارزاني مجرد تكريم لشخص، بل اعترافًا بمسار، ورسالة تقدير لتجربة، وإشارة إلى أن الدبلوماسية الهادئة قادرة على تحقيق ما تعجز عنه الصراعات. وبين روما وأربيل، لم تُكتب قصة وسام فحسب، بل كُتب فصل جديد يؤكد أن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من قوة، بل بما تبنيه من ثقة، وما تتركه من أثر في ذاكرة التاريخ!