قصة نور ليلو (2)
اصيل صباح الربيعي
خلف الزجاج
المشهد الخامس: عشرة أيام
لم تعد الأسرة تعرف اليوم من الأمس.
في المستشفى، كانت الأيام تُقاس بشيء واحد...
نتيجة تحليل السكر.
وكلمة الطبيب في نهاية كل صباح.
مرّ اليوم الرابع...
ثم الخامس...
ثم السادس...
حتى بدا وكأن الزمن توقف عند باب غرفة نور.
في بيت الجد، كان الانتظار يسير بطريقة أخرى.
لم يعد الجد قادراً على الحضور إلى المستشفى كل يوم.
كانت خطواته أثقل مما كانت عليه في السنوات الماضية، ولم تعد صحته تحتمل ساعات الجلوس الطويلة.
أما الجدة، فكانت ترفض أن تبتعد عن هاتف المنزل.
تجلس إلى جواره منذ الصباح، وما إن يرن حتى تلتقط السماعة قبل الجميع.
لا تسأل إلا سؤالاً واحداً...
"شلون نور؟"
ثم تعيد السؤال بصيغة أخرى...
"اليوم أحسن لو بعده التعب بيها؟"
كان يكفي أن تسمع:
"الحمد لله... اليوم أفضل."
حتى ترفع يديها إلى السماء، وتتمتم:
"لك الحمد يا رب."
كانت العمات يتناوبن على المستشفى، وكأنهن اتفقن من غير موعد.
أمينة...
الأخت الكبرى.
الجندي المجهول الذي لم يكن يلتفت إليه أحد.
منذ أن فقدت زوجها في جائحة كورونا، اختارت أن تبقى إلى جوار والديها، ترعاهما كما لو كانت ابنتهما الوحيدة.
كانت تبدأ يومها معهما...
تعد لهما الدواء والطعام، وتطمئن على كل ما يحتاجانه، ثم تحمل معها ما يحتاجه أخوها وأسرته، قبل أن تتجه إلى المستشفى.
لم تكن كثيرة الكلام.
لكن الجميع كان يشعر أن وجودها وحده يبعث شيئاً من الطمأنينة.
أما عمتها نجلاء...
فكانت تصل بخطوات سريعة، وكأنها جاءت لتنظم معركة.
توزع الأدوار بهدوء.
تتصل بهذا.
وتطمئن على ذاك.
وتسبق الجميع إلى كل ما يحتاجه أخوها.
ولم يكن ابنها عقيل يفارق خاله إلا نادراً.
كلما احتاج الدكتور منير إلى مراجعة، أو دواء، أو ورقة، كان عقيل قد سبق إليها.
وحين يشكره، يبتسم قائلاً:
"خالي... اليوم أنت تحتاجنا... وباچر نحتاجك."
ودخلت عمتها ريم كعادتها...
حاملةً معها ضحكتها.
وقفت عند سرير نور، وقالت مازحة:
"ها بطلة... كل هذا الدلال حتى تغيّبين عن المدرسة؟"
نظرت إليها نور بتعب...
ثم ابتسمت.
وكانت تلك أول ابتسامة حقيقية ترتسم على وجهها منذ أيام.
تنفست الأسرة الصعداء.
فالابتسامة...
كانت علامة شفاء لا تقل أهمية عن أي تقرير طبي.
أما عمتها حنان...
فجلست إلى جوار نور بهدوء.
أخرجت من الكيس الصغير هديةً كانت تخفيها.
ماكينة خياطة للأطفال.
وضعتها قربها وقالت:
"هاي هدية صغيرة...
لكن بشرط...
من ترجعين للبيت، أول فستان تخيطينه... أريده إلي."
ابتسمت نور مرة أخرى...
وأومأت برأسها بخجل.
كانت حنان تعرف أن الهدية لم تكن لعبة...
بل وعداً بالمستقبل.
وخلال تلك الأيام...
لم يكن أحمد كما كان من قبل.
كان يبدأ نهاره في البيت، يطمئن على سارة وأختيه، ثم يعود إلى المستشفى، يحمل ما تحتاجه أمه، ويجلس مع أبيه ساعات طويلة.
أما سارة، فقد كانت تدير البيت بصمت.
توقظ أختيها.
تتابع دراستهما.
وتفتح كتب السادس الوزاري كل ليلة.
لكنها كانت، في كثير من الأحيان، تكتفي بالنظر إلى الصفحات.
ثم تغلق الكتاب.
وتدعو الله أن تعود نور كما كانت.
وفي صباح اليوم العاشر...
فتحت نور عينيها ببطء.
كانت المرة الأولى التي يبدو فيها وعيها كاملاً.
اقتربت أمها منها بسرعة.
ابتسمت نور ابتسامة خفيفة.
ثم همست:
"ماما..."
أمسكت الأم يدها بكلتا يديها.
وقالت وهي تحبس دموعها:
"الحمد لله... الحمد لله."
نظرت نور حولها قليلاً.
ثم سألت بصوت متعب:
"إحنا بالمستشفى؟"
ابتسمت أمها.
"إي حبيبتي."
سكتت نور لحظات.
ثم قالت:
"أريد أرجع."
قالت أمها بحنان:
"إن شاء الله... الطبيب إذا وافق نرجع."
هزّت نور رأسها بخفة.
ثم قالت الجملة التي لم يتوقعها أحد:
"بس... مو للبيت."
اقترب أبوها منها.
وسألها مبتسماً:
"ها... وين نروح؟"
نظرت إليه بعينيها الصغيرتين.
وقالت بثقة طفلة تعرف تماماً ما تريد:
"أريد أروح لبيت جدو..."
ساد صمت عجيب في الغرفة.
نظر الأب إلى الأم.
ونظرت الأم إلى أحمد.
وأدار أحمد وجهه نحو النافذة حتى يخفي دمعة أفلتت من عينيه.
في تلك اللحظة...
أدرك الجميع أن هناك بيوتاً لا تُقاس بمساحتها...
بل بالطمأنينة التي تمنحها لمن يسكنها.
وقبل الظهر بقليل...
دخل الطبيب يحمل ملف نور.
ابتسم.
وقال:
"الحمد لله...
يمكنكم أخذها إلى البيت."
وقبل أن يجيبه أحد...
رفعت نور إصبعها الصغير وقالت مبتسمة:
"بابا... لا تنسى... أول شي نروح لبيت جدو."
يتبع...
خلف الزجاج
المشهد السادس: بيت جدو
بعد عشرة أيام، غادرت نور المستشفى.
كان الجميع يظن أن السيارة ستتجه مباشرة إلى البيت.
لكن نور كانت تكرر، منذ الصباح، طلباً واحداً.
"بابا... نروح لبيت جدو."
ابتسم الدكتور منير.
التفت إلى زوجته.
ثم طلب من احمد تغيير اتجاه السيارة.
في الطريق، كانت نور تستند إلى كتف أمها.
بدت أضعف من ذي قبل.
لكن عينيها عاد إليهما ذلك البريق الذي افتقدته الأسرة أياماً طويلة.
وللمرة الأولى منذ دخولها المستشفى، امتلأت السيارة بالحديث.
كانت اخواتها منار ولارا تمازحانها.
وسارة تبتسم وهي تنظر إليها بين حين وآخر.
أما أحمد، فكان يقود بصمت، لكنه كان يراقبها في المرآة كل بضع دقائق، وكأنه لا يزال يخشى أن تغيب عنهم مرة أخرى.
توقفوا أمام بيت الجد.
ذلك البيت الذي لم يكن أكبر بيوت العائلة...
لكنه كان أوسعها دفئاً.
فتح أحمد الباب بهدوء.
وقبل أن ينطق أحد بكلمة، كان الجد قد نهض من مجلسه.
رغم ثقل خطواته، تقدم نحو الباب مسرعاً.
أما الجدة، فلم تستطع الانتظار.
سبقت الجميع، وهي تردد بصوت اختلطت فيه الضحكة بالبكاء:
"نور... يمّه نور..."
مدّت نور ذراعيها الصغيرتين.
وارتمت بين حضنيهما.
لم تقل شيئاً.
ولم يقولا شيئاً.
كان العناق أبلغ من كل الكلمات.
جلست نور بين جدها وجدتها.
وضعت رأسها على كتف جدها.
وأمسكت بيد جدتها.
ثم قالت، وهي تنظر إليهما ببراءة:
"اشتقتلكم."
ضحك الجد، ومسح دموعه سريعاً حتى لا يراه أحد.
وقالت الجدة:
"والله البيت من بعدج صار مو بيت."
ضحكت نور.
فضحك الجميع معها.
ولأول مرة منذ أيام...
لم يكن في البيت حديث عن السكر.
ولا عن التحاليل.
ولا عن الأدوية.
كان الحديث كله...
عن نور.
وقف الدكتور منير عند باب الغرفة.
كان ينظر إلى المشهد بصمت.
لم يشاهد مجرد طفلة عادت إلى جديها.
بل رأى شيئاً أكبر.
رأى أن الأسرة، رغم كل ما مرّ بها، ما زالت تعرف طريقها إلى جذورها.
عندها فقط...
شعر أن المحنة لم تترك وراءها الخوف وحده...
بل أعادت إلى البيت شيئاً كان يفتقده منذ زمن.
الالتفاف حول بعضهم.
وفي طريق العودة...
كانت نور قد غفت من جديد.
لكن هذه المرة...
كانت تبتسم وهي نائمة.
المشهد السابع: خلف الزجاج
عادت الحياة إلى البيت...
لكنها لم تعد كما كانت.
عاد ضحك نور يملأ الممرات.
وعادت سارة إلى كتبها استعداداً لامتحاناتها.
وعادت شقيقتاها إلى شجاراتهما الصغيرة التي كانت تزعج الجميع... ثم يشتاقون إليها إذا غابت.
وعاد أحمد إلى جامعته.
وعاد الدكتور منير إلى قاعة المحاضرات.
وظاهرياً...
بدا كل شيء كما كان.
لكن شيئاً خفياً كان قد تغير.
في إحدى الأمسيات، اجتمعت الأسرة حول مائدة العشاء.
مشهد اعتادوه سنوات طويلة.
لكن هذه المرة...
كان الحديث أطول.
والهواتف أقل حضوراً.
تحدثت سارة عن امتحاناتها.
وروت عمتها ريم -التي جاءت في زيارة سريعة- موقفاً مضحكاً، فضحك الجميع.
أما نور، فقد كانت تشرح بحماس كيف تعلمت أن تقيس مستوى السكر بنفسها، وكأنها أنجزت بطولة صغيرة.
نظر الدكتور منير إلى الوجوه من حوله.
ولم يقل شيئاً.
اكتفى بالابتسام.
بعد العشاء، خرج إلى شرفة المنزل.
كان الليل هادئاً.
وأضواء البيوت المجاورة تتلألأ في البعيد.
وقف يتأمل نافذة غرفة أحمد.
كانت مضاءة.
وللحظة، عاد إليه المشهد الذي رآه من خلف زجاج المستشفى.
أحمد...
والهاتف بين يديه.
ابتسم.
لكنه هذه المرة لم يشعر بالغضب.
لقد فهم شيئاً لم يكن يفهمه من قبل.
لم تكن المشكلة في الهاتف وحده...
كما لم يكن الحل في إبعاده.
فالزجاج الحقيقي...
ليس شاشةً يحملها الإنسان في يده.
بل ذلك الحاجز الصامت الذي ينشأ بين القلوب، حين يظن كل واحد منا أن الآخر يعرف ما في داخله، فلا يعود يقول له ما يشعر به.
في تلك الليلة...
طرق منير باب غرفة أحمد.
رفع أحمد رأسه باستغراب.
ابتسم والده وقال:
"عندك شوية وقت؟"
أغلق أحمد هاتفه فوراً.
وقال مبتسماً:
"إلك... دائماً."
لم يكن بينهما حديث طويل.
ولم تُحل كل المسافات في تلك الليلة.
لكن أول خطوة...
كانت قد بدأت.
وفي صباح اليوم التالي...
استيقظت نور مبكراً.
ركضت إلى غرفة الجلوس، ثم التفتت نحو أمها وقالت ببراءتها المعتادة:
"ماما... متى نروح نزور جدو وجدتي؟"
ضحكت الأم.
وقال الدكتور منير، وهو يحمل فنجان قهوته:
"اليوم... إذا الله كتب."
قفزت نور فرحاً.
وركضت لتخبر أخواتها.
نظر إليها منير وهي تبتعد.
ثم قال في نفسه:
"ما دامت هذه الطفلة تعرف طريقها إلى أحضان من تحب...
فإن كل الطرق الأخرى يمكن أن تجدها."
وخارج البيت...
كانت الحياة تمضي كعادتها.
ازدحام...
وأعمال...
وهواتف...
وشاشات...
لكن داخل ذلك المنزل...
بدأ الزجاج يرقّ قليلاً.
ليس لأنه اختفى...
بل لأنهم صاروا، كلما شعروا أنه يرتفع بينهم، يتذكرون تلك الأيام العشرة...
فيقتربون من بعضهم أكثر.
تمت
هذه القصة مستوحاة من تجربة إنسانية حقيقية، وقد غُيّرت الأسماء، وبعض الشخصيات، وتسلسل الأحداث، والتفاصيل الزمنية، حفاظاً على خصوصية أصحابها، مع الحفاظ على روح الحكاية ورسالتها الإنسانية.
د. منير عفوا اقصد د. اصيل صباح الربيعي