إقتصاد العراق يدخل مرحلة الحصار الذاتي
حسين الفلوجي
الحصار قد لا يأتي دائمًا من الخارج. أحيانًا تصنعه الدولة لنفسها، حين تكرر الأخطاء نفسها، وتؤجل الإصلاح، وتستهلك مواردها كما لو كانت بلا نهاية.
هذا ما يواجهه اقتصاد العراق اليوم. فبعد أكثر من عشرين عامًا على تغيير النظام السياسي، لم تنجح الدولة في بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه. ظل النفط هو الممول الوحيد للموازنة، بينما تمددت النفقات التشغيلية، واتسعت فاتورة الرواتب والتقاعد والإعانات والدعم، من دون أن تقابلها إيرادات محلية حقيقية أو قاعدة إنتاجية قادرة على حمل هذا العبء.
العراق لم يعد محاصرًا بسبب نقص الموارد، بل بسوء استخدامها. لديه نفط، لكنه يستخدمه غالبًا لتمويل الاستهلاك لا لبناء الإنتاج. لديه موازنات ضخمة، لكنها تذهب في معظمها إلى نفقات جارية. لديه سوق واسع، لكنه يعتمد على الاستيراد. لديه ملايين الموظفين، لكن الدولة لا تحصل في المقابل على إنتاجية أو إيرادات تكفي لاستدامة هذا النموذج.
غضب اجتماعي
وهنا يبدأ الحصار الذاتي: عندما تصبح الدولة أسيرة التزامات صنعتها بنفسها. لا تستطيع خفض الإنفاق خوفًا من الغضب الاجتماعي، ولا تستطيع الاستمرار فيه من دون نفط مرتفع، ولا تستطيع إصلاحه لأن الإصلاح مؤلم سياسيًا. فتتحول الموازنة من أداة لإدارة التنمية إلى قيد يحاصر القرار.
المشكلة ليست في حكومة بعينها، بل في مسار كامل. كل الحكومات تقريبًا فضّلت شراء الوقت عبر التوظيف والدعم والإنفاق، بدل بناء اقتصاد منتج ونظام ضريبي عادل وخدمات ممولة بصورة مستدامة. وكانت النتيجة أن العراق أصبح أمام خيارين: إما مواصلة استهلاك الفوائض والاحتياطيات والاقتراض، أو مواجهة الحقيقة بإصلاحات جدية لم تعد تحتمل التأجيل.
إن أخطر ما في المرحلة الحالية أن الخطاب السياسي والاعلامي ما زال يتصرف وكأن الأزمة قابلة للترحيل، بينما الأرقام تقول عكس ذلك. فالدولة التي تعتمد على مورد واحد، وتوسّع التزاماتها الدائمة، وتضعف قدرتها على التحصيل والإنتاج، لا تحتاج إلى حصار خارجي كي تختنق؛ بل يكفي أن تستمر في إدارة اقتصادها بالطريقة نفسها.
اقتصاد العراق يحتاج إلى مراجعة جذرية: ضبط الإنفاق، إصلاح المالية العامة، تنمية الإيرادات غير النفطية، إعادة تسعير الدعم بعدالة، بناء قطاع خاص منتج، وإعادة توجيه النفط من تمويل الاستهلاك إلى تمويل الاستثمار.
الحصار الذاتي ليس قدرًا نهائيًا، لكنه إنذار واضح: إما أن يصلح العراق نموذجه الاقتصادي بإرادته، أو ستفرض عليه الأرقام إصلاحًا أكثر قسوة.
باحث بالاقتصاد السياسي