عدو ما نجهل
نوفل الراوي
لا اعرف بالضبط اول من وصف الانسان بأنه عدو لما يجهله لكنني اجزم ان هذا القول لم يأت من فراغٍ ، او عن طريق المصادفة ؛ بل هي كلماتٍ نطق بها انسان ما فاصبحت كلماته تلك علامات مضيئة يسترشد بها الانسان في كل مرة .. فالانسان منذ الخليقة كان يرى في المجاهيل عدوا متربصا له فآدم عليه السلام لما رأى نفسه محاطاً بالمجاهيل لم يقاومها فأكل تفاحةً ألقت به الى الأرض .. و ابراهيم ابو الانبياء لم يصبر على المجهول فسأل ربه : ( كيف تحيي الموتى) ؟ .. و الامثلة كثيرة في هذا الشأن .. فالخوف من المجهول يشمل حتى الانبياء و الصالحين .. ويرى علماء الاجتماع ان الخوف من المجهول مسألة طبيعية ، و لا تستوجب الكثير من القلق ؛ بل يمكن التعايش معها ومن ثم التغلب عليها من خلال مواجهتها و تفكيكها لانها على الاغلب اوهام ، و مجاهيل مبالغ في خطورتها ...
وهذا الخوف ، و التردد في التعامل مع المجهول يمكن ان يشمل حتى الامور البسيطة التي نتعامل معها يوميا .. فكلنا يحمل في داخل ( ميكانزم) دفاعي يجعله يتصدى لاي امر يستجد في حياتنا اليومية فيقول العلامة د . احمد الكبيسي في محاضرة قديمة حضرتها منذ زمنٍ بعيد : ان علماء الدين في العراق كانوا يرون في ( الراديو) في اول ظهوره سنة 1936م بانه شيء من عمل الشيطان ووجهوا بمقاطعته , و رفضهم له !! .
واذكر انه في عام 1976م وصلنا البث التلفزيوني الملون ، وحينها انبرى الكثيرون لمحاربته ومنع اقتنائه بحجة انه يسبب متاعبا للنظر !! .. واليوم اصبح التلفزيون في كل غرفة داخل البيت الواحد .
وهذا ما نجده متجليا في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية كلها .. على طول الخط نصنع عدوا لنا .. و تضعه امامنا .. ثم نفكر في ازالته ؛ لكننا نضطر في نهاية المطاف تقبل الامر ، و التعايش معه على انه امر واقع ..