الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحلة إلى الصعيد الساحر بين التاريخ والطبيعة

بواسطة azzaman

مشاهدات من أرض الكنانة مصر العربية

رحلة إلى الصعيد الساحر بين التاريخ والطبيعة

إمتداد جغرافي يحتضن جذور الحضارة القديمة منذ آلاف السنين

رعد أبو كلل الطائي

 

صعيد مصر، ويُسمى أيضاً بالوجه القبلي (أي الوجه الجنوبي)، أو مصر العليا (سُميت بالعُليا بسبب علو وأرتفاع أراضيها عن مستوى سطح البحر مقارنةً بمصر السُفلى)، ويطلُق عليها كذلك أسم وادي النيل، وهي منطقةٌ تُمثل الجنوب من مصر، أو الجُزء العلوي من أراضي نهر النيل في مصر، تمتدُ هذه المنطقة من مركز أطفيح في جنوب الجيزة شمالاً حتى أسوان جنوباً، وإلى الحدود مع السودان شرقاً، بمحاذاة البحر الأحمر، وتُمثل الجزء الجنوبي من خريطة مصر، وفي اللغة العربية الصعيدُ هو المرتفع من الأرض، ومنهُ أشتقَ أسم صعيد مصر، ويُطلق على سكان تلك المنطقة لقب الصعايدة، ووفقاً لتقرير صادر في عام 2012م من البنك الدولي كان 80 بالمئة من فقراء مصر يعيشونَ في صعيد مصر . يُمثل صعيد مصر واحداً من أغنى أقاليم البلاد من حيث التأريخ والهوية الثقافية، وهو أمتداد جغرافي وحضاري يحتضن جذور الحضارة المصرية القديمة مُنذُ آلاف السنين، يمتد الصعيد من جنوب الجيزة حتى أسوان، ويتميزّ بطابع مختلف عن دلتا النيل سواءٌ في الطبيعة أو العادات أو الأيقاع اليومي للحياة، وعلى الرغم أن السياحة في مصر غالباً ما تتركز في المدن الساحلية أو العاصمة، فإن صعيد مصر يظلُ وجهةٌ استثنائية لمن يبحث عن تجربة عميقة تجمع بين التأريخ الإنساني والطبيعة النيلية الهادئة والتراث المحلي الأصيل .

معابد ومواقع

يضُمُ الصعيد مجموعة من أهم وأشهر المواقع الآثارية في العالم، والتي تُمثل العمود الفقري للسياحة الثقافية في البلاد، ففي الأُقصر وحدها، توجد معابد الكرنك والأُقصر ووادي الملوك ووادي الملكات، وهي مواقع موثقة رسمياً ضمن قائمة التُراث العالمي لليونسكو، وتعكُس هذه المعابد عظمة العمارة المصرية القديمة، ودقة التخطيط الديني والسياسي للحضارة الفرعونية، وفي محافظة قنا، يبرُز معبد دندرة المخصص للإلهة حتحور، والذي يُعتبر من أفضل المعابد حِفظاً من حيث النقوش والسقوف، أما في أسوان، فيأتي معبد فيلة، ومعبد أبو سميل كرمزين للعبقرية الهندسية المصرية القديمة، خاصةً مع مشروع انقاذهما أثناء بناء السد العالي، هذه المواقع لا تُقدم مُجرد مُشاهدة آثارية، بل تُتيح ُ للزائر فهماً أعمق لتأريخ الإنسان المصري القديم، وعلاقتهُ بالنيل والعقيدة والحُكم .

وتضُمُ محافظات صعيد مصر (الوجه القبلي)، 9 إلى 10 محافظات تمتدُ جنوب القاهرة على ضفاف النيل، وتتميزّ بطابعِها الزراعي والتأريخيي، والمحافظات الرئيسية هي : شمال الصعيد، وتضُمُ محافظات، الفيوم، بني سويف، المنيا، ووسط الصعيد، وتشمُل محافظات، أسيوط وهي (العاصمة التجارية للصعيد)، سوهاج، جنوب الصعيد، وتضُمُ محافظات، قنا، الأقصُر، أسوان، فضلاً إلى جنوب محافظة الجيزة، ومحافظة الوادي الجديد .

ويُعرف سكان صعيد مصر بأسم السعديين، ويتحدثون عموماً اللهجة السعدية المصرية، وكانت تُعرف بالعبرية التوراتية بأسم باترو، وفي الأكادية بأسم باتوريسي، ومن أشهر عائلات صعيد مصر : عائلة عاشور، عائلة الشريف، عائلة عبد النور، عائلة أبو ستين، عائلة العتامنة، عائلة مؤمن، عائلة رضوان، عائلة قرشي، وبعيداً عن تدهور الحياة المعيشية في بعض القُرى الصعيدية، والحفاظ على تقاليد وعادات غير مستحبة لمن يعيشون خارج البقعة، يظلُ الجنوب هو أصل للعديد من الشخصيات العامة المؤثرة في حركة البلاد بأسرِها، سياسياً كان أو اقتصادياً، وعلى أرض الصعيد انحدرت عائلات من مختلف بقاع الأرض، من شبه الجزيرة العربية، وحتى من دول المغرب، لتصبح المنطقة أشبه بنقطة تلاقي للثقافات المختلفة .

الرجل الصعيّديّ

الصعايدة يعني الأصل الطيب، والأخلاق الحميدة، والشهامة، والجدعنة، والمروة والنخوة، كل الصفات الحلوة التي بقت كعُملة نادرة في هذا الزمن، إلا إنها مازالت موجودة في الرجل الصعيدي، ويبقى الصعيدي : مُخلص، وكاتم أسرار، ولا يبُث أسرار بيــــــــــتهِ خارج حُرمة بيتهِ، وهو أخ وأب وصـــــــــــديق وسند لمن حوله.

ويعيش 80% من المسيحيين في مصر في محافظات الصعيد، ويُشكلون حوالي 35% من سكان الصعيد، ويُعدُ الصعيد هو مركز المسيحية والمسيحيين في مصر، وهُم أغلبية سُكانية في بعض الأماكن والقُرى في الصعيد، و99% أو أكثر من المسيحيين في مصر، ترجع أصُولهُم إلى الصعيد .

رحلتي الساحرة

في رحلتي إلى الصعيد، صعدتُ في أحد قطارات السكك الحديدية، وكانت الرحلة في غاية الروعة والجمال، والتقطتُ صوراً لمشاهدَ عديدة، عن حياة الصعايدة الكرُماء، والتي تجمع بين قُدسية التأريخ وبساطة الحياة اليومية، نعم أنبهرتُ وسررتُ، وظلتّ المشاهدَ التي رأيتُها محفورةً في ذهني، ولعليَّ أستطيع القول َ :

إن صعيد مصر يمتدُ على ضفاف النيل كقصيدة قديمة تُروى عبرَ آلاف السنين، تجمع بين قُدسية التأريخ وبساطة الحياة اليومية، كثيرون يختزلونهُ في معابد الفراعنة، أو القُرى الريفية، لكنهُ في الحقيقة عالم ٌ متكاملٌ ينبضُ بالأصالة، إذ يلتقي دفء الإنسان بجلال الطبيعة، وعندَ سفري إلى الصعيد شعرتُ أنني لا اكتشفُ مكاناً فحسب، بل اعودُ إلى جذور الحضارة نفسِها، إذ إن الأهرامات ليستّ سوى مُقدمة لِما يُنتظر في الأُقصر وأسوان وسوهاج وقنا من عجائب منسيةٍ، آثارٌ خالدةٌ تسرُدُ أمجاد الفراعنة، ولا يُمكن الحديث عن الصعيد دون المرور على الأُقصُر، التي تضُمُ ثُلث آثار العالم تقريبأ، فمعبد الكرنك مثلاً، يقفُ شامخاً بجدرانهِ الضخمة وأعمدتهِ العملاقة، فهو يحكي عن أنتصارات الملوك وآلهتِهم، فيما يعكسُ صدى خطوات الزوار، وقع مواكب الفراعنة القديمة، بينما على الضفة الغربية تنتشر مقابر وادي الملوك التي ضمتّ، توت عنخ آمون وغيرهم، محفورة بدقة مُذهلة في عُمق الصخور، كأنها بوابات سرية إلى العالم الآخر، أما أسوان، فهي ملاذ الروح بهدوئها، ونيِّلها العريض، وإذ معبد فيله يطفو كجزيرة من السحر وسط المياه، والسد العالي العظيم يقفُ كرمزٍ للقوة الحديثة التي واصلت ما بدأهُ الأجداد من بناءٍ وتشييدٍ، وفي قنا وسوهاج، تنتشر معابد دندرة وأبيدوس، التي تقلُ شُهرةً، لكنها لا تقلُ روعةً، تحتفظ بالنقوش الملونة والتي صمدتّ أمام الزمن، وكأن الرسامَ غادرَ لتوهِ منذُ أيام قليلة فقط، ثقافةٌ نابضة بالحياة، وكرمٌ أستثنائي بعيداّ عن المعابد، إن سحر الصعيد الحقيقي يكمُن في ناسهِ، فمن اللحظة الأولى، يلمسُ الزائرُ حرارة الأستقبال والترحيب الذي ياتي دون تكلف،البيوت ذات الألوان الطينية، والأهازيج الشعبية التي تُغنى في الأعراس والمناسبات والأسواق الأسبوعية المليئة بالأعشاب والتوابل والمنسوجات اليدويةكُـلُها مشاهِدة تمنح الرحلة طابعاً إنسانياً لا يُنسى، وفي القُرى لا تزال العادات القديمة حاضرةٌ، أما المطبخ الصعيدي فيُقدم أطباقاً فريدة مثل الفول المدشوش، والملوخية الناشفة، كما إن هناك مغامرات على النيل وجبال الصحراء، كما يُمكن التخيُم في الصحراء الشرقية، بين جبال الحمراء، أو زيارة قرية النوبة ذات البيوت الملونة، والزواحف الأليفة، وفي الأُقصُر يُمكن أستكشاف المزاراع الخضراء على ظهر الدراجات، أو ركوب المنطاد فوق المعابد والحقول، لرؤية المدينة من السماء، وفي النهاية تظلُ رحلة إلى صعيد مصر أكثر من مجرد زيارة سياحية، فهي عودةٌ إلى زمنٍ آخرَ، يصبحُ الإنسان أقرب إلى ذاتهِ، بين النيل والجبال، وجوه الناس الباسمة، والأحجار المنقوشة، ويُدرك الزائر إن هذا المكان، ليس محطةٍ في رحلةٍ، بل قُصةً ستبقى محفورة في الذاكرة والقلب مدى الحياة .


مشاهدات 40
الكاتب رعد أبو كلل الطائي
أضيف 2026/07/11 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/07/12 - 1:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 11889 الكلي 15917016
الوقت الآن
الأحد 2026/7/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير