الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الزيدي في الإتجاه الصحيح والهدف هو العراق

بواسطة azzaman

الزيدي في الإتجاه الصحيح والهدف هو العراق

ليث شبر

 

في السياسة العراقية اعتدنا طويلاً على مشهد يكاد يتكرر بحذافيره؛ رئيس وزراء يصل إلى المنصب فيبدأ الجميع بالحديث عمن جاء به، ومن دعمه، ومن يقف خلفه، ثم لا تمضي أشهر حتى يتحول النقاش كله إلى معارك جانبية تبتلع أصل المهمة. ولهذا أجد من الضروري اليوم أن نضع سؤالاً مختلفاً: هل يتحرك الرجل في الاتجاه الصحيح أم لا؟

حتى الآن، وبصرف النظر عن المواقف المسبقة، أرى أن بعض المؤشرات تستحق التوقف عندها بهدوء. فالتغييرات التي يجريها السيد علي الزيدي داخل مكتبه لا توحي بعقل يبحث عن استنساخ ما كان قائماً، بل بعقل يحاول بناء فريق أقرب إلى متطلبات المرحلة الجديدة. والفرق كبير بين من يجمع حوله دائرة ولاءات، ومن يبحث عن دائرة كفاءات. العراق خسر سنوات طويلة لأن كثيراً من المناصب الحساسة أُديرت بمنطق الثقة الشخصية، بينما تحتاج الدولة في حقيقتها إلى الثقة والكفاءة معاً.

ومن الأمور التي تستحق المتابعة أيضاً أن الرجل لا يبدو أسيراً للقوالب التقليدية التي حكمت المشهد خلال السنوات الماضية. فالعراق وصل إلى نقطة لم يعد فيها التفكير داخل الصندوق كافياً لحل أي أزمة؛ لا في الاقتصاد، ولا في الخدمات، ولا في الأمن، ولا في الإدارة. وما أوصلنا إلى هذا المستوى من التعقيد هو الإصرار على استعمال الأدوات نفسها لمعالجة المشكلات نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة.

وفي تقديري أن الامتحان الأول للحكومة سيكون في ملف السلاح. ليس لأن العراقيين يجهلون المشكلة، بل لأن الجميع يعرفها جيداً. الدولة لا تكتمل إلا حين تكون صاحبة القرار الأخير، وصاحبة الكلمة الأخيرة، وصاحبة القوة الأخيرة. وهذه ليست قضية تخص فصيلاً أو حزباً أو جهة بعينها، بل قضية تتعلق بمستقبل الدولة نفسها. وكلما اقتربت الحكومة من بناء عقيدة وطنية واحدة للأمن والدفاع، اقترب العراق من الاستقرار الحقيقي الذي يبحث عنه الجميع.

عقود قديمة

أما الملف الثاني فهو الفساد، وهنا أعتقد أن النقاش يجب أن يغادر الصور التقليدية. فالفساد في العراق لا يبدأ من الموظف الصغير، بل من العقود الكبرى. ولعل سبعين بالمئة من الأحاديث التي يسمعها العراقيون عن الهدر والسرقات والعمولات تدور حول العقود وآليات الإحالة والتنفيذ والمتابعة. ولهذا فإن مراجعة العقود القديمة والجديدة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، إذا جرت بمهنية وعدالة بعيداً عن الانتقائية أو تصفية الحسابات.

وأذهب أبعد من ذلك فأقول إن العراق يحتاج إلى قفزة حقيقية في هذا المجال. لماذا لا تمتلك الدولة منصة إلكترونية موحدة تُنشر عليها جميع العقود الحكومية؟ لماذا لا يستطيع المواطن والصحفي والباحث والنائب أن يطّلع بسهولة على تفاصيل المشاريع وكلفها ومددها ونسب إنجازها؟ في زمن الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة لم يعد مقبولاً أن تبقى العقود الكبرى حبيسة الأدراج والدوائر المغلقة. الشفافية اليوم ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل أداة إدارة ورقابة وحماية للمال العام.

وفي السياسة الخارجية تبدو الصورة أكثر أهمية. فالعراق لا يعيش في جزيرة معزولة، والمنطقة كلها تعيد رسم توازناتها بسرعة غير مسبوقة. ولهذا فإن زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن، وما يرافقها من حراك عربي وخليجي وإقليمي، يجب أن تُقرأ من زاوية المصالح العراقية أولاً. فالعراق لا يحتاج إلى اصطفافات جديدة، ولا إلى خصومات مجانية، ولا إلى أوهام الانتصارات الإعلامية. ما يحتاجه هو استعادة موقعه الطبيعي بوصفه دولة تبحث عن مصالحها، وتبني علاقاتها على أساس المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل. قد أضعنا سنوات طويلة ونحن نناقش ماذا تريد هذه العاصمة أو تلك، فيما كان السؤال الأهم غائباً: ماذا يريد العراق؟ كيف نستعيد الاستثمارات؟ كيف نجذب التكنولوجيا؟ كيف نحمي المياه؟ كيف نطوّر الصناعة؟ كيف نخلق فرص العمل؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون حاضرة على طاولة أي حوار خارجي، سواء جرى في واشنطن أو الرياض أو أبوظبي أو أنقرة أو طهران.

ومن هنا أرى أن كثيراً من الأفكار التي عملت عليها المبادرة الوطنية للإصلاح خلال السنوات الماضية أصبحت أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى. فالدولة الذكية السيادية، والحكومة فوق الذكية، والاقتصاد المنتج، والذكاء السيادي.

والأمن الثقافي، والرأسمالية الاجتماعية، لم تعد مجرد موضوعات للنقاش الفكري، بل تحولت إلى احتياجات عملية تفرضها طبيعة المرحلة.

وما يميز المبادرة الوطنية للإصلاح أنها لا تقوم على الخطاب السياسي وحده، بل تضم علماء وخبراء وأكاديميين ومتخصصين في الاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا والطاقة والمياه والتعليم والأمن. ولهذا فإنها تمتلك رصيداً من الأفكار والبرامج والرؤى القابلة للتحويل إلى سياسات عامة متى ما توفرت الإرادة والقدرة على التنفيذ.

لا أكتب هذا المقال لأوزع شهادات نجاح مبكرة، فالحكومة ما زالت في بداياتها، والطريق أمامها طويل، والتحديات أكبر من أن تُختزل بخطوات أولى. غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بعض المؤشرات الحالية تدفع إلى الاعتقاد بأن الاتجاه صحيح حتى الآن.

ويبقى الهدف واحداً لا يتغير.

ليس الزيدي.

وليس الحكومة.

وليس القوى السياسية.

الهدف هو العراق.

فإذا اقتربت القرارات من هذا الهدف وجب دعمها، وإذا ابتعدت عنه وجب تصويبها، أما البوصلة فينبغي أن تبقى ثابتة دائماً، لأن الدول التي تضيع بوصلتها تضيع معها كل الأسماء.

 

 

 


مشاهدات 44
الكاتب ليث شبر
أضيف 2026/06/02 - 3:14 PM
آخر تحديث 2026/06/03 - 2:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 118 الشهر 2095 الكلي 15877576
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير