الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عقيل الفيلي يروي حكاياته عن الخشب: الأشجار عالم قائم بذاته يختزن عشرات الدرجات اللونية

بواسطة azzaman

عقيل الفيلي يروي حكاياته عن الخشبالأشجار عالم قائم بذاته يختزن عشرات الدرجات اللونية

بغداد - رنا خالد

في قلب بغداد، وبين رائحة الخشب ودفء الألوان، يواصل الفنان التشكيلي عقيل الفيلي رحلته الإبداعية التي امتدت لأكثر من سبعة وعشرين عاماً. وُلد في بغداد، وهو عضو في نقابة الفنانين العراقيين، وعضو المتحف المتجول الثقافي في قشلة المتنبي، إضافة إلى عضويته في مؤسسة أشنونا للفنون.

تميز الفيلي بأسلوب فني خاص يمزج بين الرسم وتقنية الفسيفساء الخشبية، حيث يحول قطع الخشب المتناثرة إلى أعمال فنية تنبض بالمعنى والجمال، مستلهماً من التراث والبيئة العراقية رؤى تشكيلية تحمل بصمته الخاصة.

ضمن حوارنا نقترب من عالم الفنان عقيل الفيلي، لنتعرف إلى تفاصيل رحلته الفنية، وأسرار تجربته الفريدة مع الفسيفساء الخشبية، وكيف استطاع أن يجعل من الخشب مادة تروي الحكايات وتمنح اللوحة روحاً تتجاوز حدود اللون والشكل.

نلاحظ شغفاً كبيراً لديك بالأشجار والأخشاب، من أين جاء هذا الاهتمام؟

- الأشجار بالنسبة لي عالم قائم بذاته. أكثر ما يلفتني فيها هو طبيعتها وألوانها وتدرجاتها. كثير من الناس ينظرون إلى الشجرة على أنها لون واحد، لكن الحقيقة أن الشجرة الواحدة قد تختزن عشرات الدرجات اللونية في داخلها، وهذا ناتج عن البيئة التي عاشت فيها والظروف التي مرت بها.

هل تقصد أن البيئة تؤثر في الشجرة كما تؤثر في الإنسان؟

- نعم، إلى حد بعيد. الإنسان الذي يعيش في بيئات مختلفة تتغير ملامحه وصفات بشرته تبعاً للمناخ والظروف المحيطة وكذلك الأشجار. فكل بيئة تترك أثرها على لون الخشب وكثافته وشكل عروقه. لذلك نجد أن الشجرة نفسها قد تعطينا نتائج مختلفة بحسب المكان الذي نمت فيه.

هل لديك مثال على ذلك؟

- شجرة الجوز مثلاً. ألوانها ليست ثابتة، فقد تجدين فيها درجات تميل إلى الأصفرار، وأخرى إلى البني الغامق، وأحياناً تظهر تدرجات قوية جداً بحسب عمر الشجرة والبيئة التي نشأت فيها. وهذا ما يمنحها قيمة فنية كبيرة.

وماذا عن صلابة الأشجار؟

- هذا جانب مهم. بعض الأشجار تبدو شديدة الصلابة، لكنها في الحقيقة هشة عند التعامل معها. وفي المقابل هناك أنواع استثنائية من القوة والمتانة، ومن أشهرها شجر الأبنوس.

صلابة وكثافة

ماذا يميز الأبنوس عن غيره؟

- الأبنوس من أكثر الأخشاب صلابة وكثافة والاغلى سعرا. يتميز بوزنه الثقيل جداً وقوامه المتماسك. ولهذا كان عبر التاريخ من الأخشاب التي استخدمها الملوك والسلاطين في صناعة المقتنيات الثمينة والقطع الفاخرة. كما أن نسيجه متين إلى درجة تجعل العمل عليه مختلفاً عن بقية الأخشاب.

يبدو أنك تنظر إلى الأشجار بوصفها أكثر من مجرد مادة للعمل الفني.

- بالتأكيد. أنا أراها كائنات تحمل شخصيات مختلفة. لكل شجرة هويتها وطبيعتها الخاصة. هناك اختلاف في اللون، وفي العروق، وفي الملمس، وفي درجة الصلابة. وهذا التنوع هو ما يجعل العمل بالأخشاب ممتعاً إلى هذا الحد.. وانا اشتريها عمرها طويل كون نموها يجعل فيها اشكال متنوعة.

اي الانواع تتوفر، اي الانواع تجمعها حاليا؟

- كثير ومنها متوفرة كاشجار البلوط، الصنوبر،الرمان، الزيتون، التين والبرتقال.

لننتقل إلى جانب آخر من تجربتك، وهو توظيف الألوان في اللوحات الخشبية. كيف تتم هذه العملية؟

- الأمر يعتمد على نوع اللوحة. فهناك أعمال لا تحتاج إلى تفكيك لوني كبير، مثل بعض أعمال الفسيفساء أو المشاهد التي تعتمد ألواناً مسطحة ومباشرة. أما عندما تكون اللوحة واقعية، كصورة شخص أو منظر طبيعي أو مشهد مليء بالتفاصيل، فهنا يصبح التفكيك اللوني أساس العمل.

ماذا تقصد بالتفكيك اللوني؟

- أقوم أولاً بدراسة الصورة وتقسيمها إلى درجات الضوء والظل. أحدد أماكن الألوان الفاتحة والمتوسطة والداكنة، ثم أرقمها وأصنفها. بعد ذلك أبحث بين الأخشاب الموجودة لدي عن أقرب لون طبيعي لكل جزء من أجزاء الصورة، ثم أبدأ بقص القطع وتجميعها كما لو أنني أرسم بالأخشاب بدلاً من الأصباغ.

وهل يمكن أن تحتوي اللوحة الواحدة على عدة انواع من الأخشاب؟

- نعم، وبعض أعمالي تضم ثمانيةً وعشرين نوعا من الاخشاب مختلفاً أو أكثر. وكل لون منها يأتي من نوع خشب مختلف أو من درجة لونية مختلفة داخل النوع نفسه. وهذا ما يمنح اللوحة عمقها وحيويتها.

ومن أين تأتي بهذه الأنواع المتعددة من الأخشاب؟

- من أماكن مختلفة. لدي أخشاب من أفريقيا، ومنها أنواع من الصنوبر والأرز الأفريقي، كما أستخدم أخشاباً قادمة من أمريكا الجنوبية وبعض المناطق الاستوائية. وهناك أنواع نادرة تتميز بعروق وألوان لا يمكن إيجادها بسهولة في أماكن أخرى.

وما الذي يجذبك في هذه الأخشاب النادرة؟

- كونها تمنحني ألواناً طبيعية لا أستطيع الحصول عليها بالصبغ أو المعالجة. أحياناً أجد في قطعة خشب واحدة رسوماً وعروقاً تبدو وكأن الطبيعة رسمتها بيدها. وهنا أشعر أن دوري كفنان ليس صناعة اللون، بل اكتشافه وإبراز جماله.

هل يستغرق إنجاز أعمالك وقتًا طويلًا؟

- نعم، لأن العمل يدوي بالكامل ويعتمد على الدقة في كل مرحلة، بدءًا من التصميم والتقطيع وصولًا إلى التشطيب النهائي.

ما الصعوبة التي تواجهها أثناء التقطيع؟

- أتعامل مع أخشاب صلبة جدًا، كما أن التيلة المستخدمة رفيعة ودقيقة، مما يزيد من الاحتكاك أثناء العمل ويتطلب عناية كبيرة. كذلك وقت طويل اقل لوحة اعمل بها شهرين.

كيف تتغلب على هذه المشكلة؟

- أستخدم أحيانًا كمية بسيطة من الصابون على التيلة لتقليل الاحتكاك وتسهيل حركتها داخل الخشب.

هل يقتصر الوقت على عملية التقطيع فقط؟

- لا، فالتقطيع جزء من مراحل متعددة تشمل التخطيط، والتشكيل، والصبغ، والتجفيف، ثم الجلي والمعالجة النهائية.

هل تمتد مدة التنفيذ العمل أحيانًا لعدة أيام؟

- نعم، لأن بعض المواد المستخدمة تحتاج إلى 24 أو 48 ساعة لتجف وتتصلب بشكل كامل قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.

ما سر جودة العمل اليدوي؟

- الصبر والاهتمام بالتفاصيل؛ فكل مرحلة تؤثر في النتيجة النهائية وتمنح القطعة قيمتها الفنية الخاصة.

في جملة واحدة، كيف تصف علاقتك بالأشجار؟

- أتعامل مع الأشجار بوصفها ذاكرةً للطبيعة؛ فكل لون فيها حكاية، وكل عرقٍ فيها أثرُ زمنٍ طويل، وكل قطعة خشب تحمل تاريخاً كاملاً قبل أن تتحول إلى عمل فني.

 

 


مشاهدات 61
أضيف 2026/06/02 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/06/03 - 2:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 2100 الكلي 15877581
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير