وطن كان هنا
ثامر مراد
سأظل أحكي، رغم أن الحكاية أضحت موجعة، ورغم أن صدى الكلمات يتردد في فضاءٍ فارغٍ من المستمعين. سأظل أحكي عن حلمٍ رسمناه ذات يومٍ بفرح الأطفال وبساطة العشاق، عن وطنٍ كان هنا، يسكن قلوبنا قبل أن تلتهمه ألسنة الحقد والتآمر. كيف لنا أن ننسى وطنًا كان؟ كيف نغض الطرف عن شوارع كانت تمتلئ بالضحك، وعن صباحات كانت تحمل في نسماتها أملًا، وعن أغانٍ كنا نرددها معًا في الطرقات، فتحتضننا المدينة كما تحتضن الأم وليدها؟ هذا الوطن الذي كان يومًا بيتًا للجميع، صار حكايةً نرويها كأنها أسطورةٌ من زمنٍ بعيد. لقد كبرنا على فكرة أن الوطن حضنٌ دافئ، ملجأٌ آمن، وبيتٌ لا يهدم. لكننا وجدنا أنفسنا نحمل أوطاننا على أكتافنا، نحزمها في حقائب السفر، نبعثرها في المنافي، نحفظها في الذاكرة كقصيدةٍ لم تكتمل أبياتها.
نعيش في شتاتٍ لا ينتهي، غرباء في بقاع الأرض، نبحث عن وطنٍ آخر يمنحنا شعور الانتماء، دون أن ندرك أن الوطن الحقيقي ليس أرضًا فقط، بل تاريخٌ وعطرٌ وصوتُ مؤذنٍ في الفجر، وضحكةُ أمٍ تسقي أبناءها الصبر مع الشاي. أيها الوطن، يا من كنت هنا ولم تعد! كم مرةٍ رسمناك في الحلم بيتًا واسعًا، شجرًا مورقًا، نهرًا لا يجف! كم مرةٍ كتبناك شعرًا في الدفاتر، وحفظناك نشيدًا في الصدور! لكن الأحلام لا تكفي لتبقى الأوطان، والشعر لا يكفي ليبني الجدران، والنشيد لا يملأ الفراغات التي تركها الغائبون. كان الوطن هنا، لكنه رحل شيئًا فشيئًا.
اختفى من العيون التي صارت ترى الموت عاديًا، ومن القلوب التي اعتادت الخذلان، ومن الأيدي التي هجرت البناء لتبحث عن مخرج. لم يعد في الطرقات إلا صدى الأقدام الراحلة، ولا في الأزقة إلا أبوابٌ مغلقة، تحكي بصمتها عن الذين رحلوا ولم يعودوا. لكنني سأظل أحكي، لأن الحكايات تحفظ الذاكرة من النسيان، ولأن الأحلام التي لا تموت قد تجد يومًا طريقها للتحقق. سأحكي لأجيالٍ لم ترَ الوطن كما رأيناه، لم تمشِ في دروبه، ولم تتنفس هواءه كما كنا نفعل.
سأحكي لأن الكلمات قد تعيد رسم الخرائط، ولأن الحنين قد يكون الخطوة الأولى في طريق العودة، ولأن الوطن وإن غاب يبقى ساكنًا فينا، لا يمكن أن يرحل تمامًا، لا يمكن أن يكون مجرد ذكرى.
سأظل أحكي عن حلمٍ لم يكتمل، عن وطنٍ كان هنا... وما زال هنا، في القلب.