من دفاتر الذاكرة... أيام لا تشبهها الأيام
إبراهيم المحجوب
كثير منا يعشق الذكريات، ليس لأن الماضي كان أجمل في كل تفاصيله، بل لأن فيه شيئا من أرواحنا التي تركناها هناك. فكلما عدنا إلى دفاتر الذاكرة وجدنا وجوها أحببناها، وأصواتا ما زالت تسكن في أعماقنا، وبيوتا قديمة لم يبق منها سوى صورتها في الخيال.
كانت الحياة في الموصل وريف نينوى أكثر بساطة، لكنها كانت عامرة بالمحبة والألفة. كانت البيوت متقاربة، والقلوب أقرب، والجار يعرف أحوال جاره، وإذا طرق أحدهم باب الآخر لم يكن بحاجة إلى موعد أو اتصال هاتفي؛ كانت الأبواب مفتوحة، والقلوب كذلك.
كنا ننتظر المساء بفارغ الصبر، فحين تهدأ حركة النهار وتغرب الشمس، تبدأ "التعليلة". وفي الصيف تكون السهرة على السطح أو على دكة الطين أمام الدار، والنسمة القادمة من الحقول تحمل معها رائحة التراب والنبات، فيما تتعالى الأحاديث والضحكات من هنا وهناك. لم تكن هناك شاشات ولا هواتف ذكية، لكننا كنا نملك ما هو أجمل: وجوها تجلس معنا وقلوبا تصغي إلينا.
أما ليالي الشتاء فكانت لها حكاية مختلفة. حين تشتد الريح، وينهمر المطر، وتدوي أصوات الرعد، ويضيء البرق السماء للحظات، كنا نجتمع داخل الغرف الطينية حول الفانوس أو الموقد، ونقترب من الجدة وهي تبدأ إحدى حكاياتها.
كانت الجدة مدرسة كاملة في الحكاية.
تخفض صوتها أحيانا، ثم ترفعه فجأة، وتذكر لنا قصصا عن الجن والأشباح والمخلوقات الغريبة، فنصغي إليها بعيون واسعة وقلوب صغيرة ترتجف من الخوف. وإذا اشتد المطر في الخارج، ازداد خوفنا، وإذا انطفأ الفانوس للحظات، ظننا أن إحدى شخصيات الحكاية قد وصلت إلينا!
والغريب أن كثيرا من تلك "الخواريف" التي كانت الجدات يروينها لنا، نراها اليوم على شاشات التلفزيون في أفلام الرعب، ولكن الفرق أن خوف الأمس كان أجمل؛ لأنه كان من صنع الخيال، أما اليوم فقد أصبحت الصورة جاهزة، ولم يعد للخيال ذلك الدور الجميل الذي كان يصنع عالما كاملا من حكاية بسيطة.
وفي صباحات الريف، كان للحياة صوت آخر. صوت الديك، وحركة الناس، ووقع الأقدام، وصوت الفلاح وهو يتجه إلى أرضه وخاصة في تلك الحقول التي تقع على ضفاف نهر دجلة في جانبه الايسر وكنا نسميها منطقة الحاوي. كانت رائحة التنور وهي تختلط برائحة الخبز الحار. وكانت أمهاتنا وجداتنا يصنعن من القليل مائدة عامرة، وكان الخبز الخارج من التنور لا يحتاج إلى أكثر من طاسة من اللبن أو قليل من الدبس حتى يصبح وجبة لا تنسى.
وكان للماء أيضا حكايته، وللبئر أو النهر مكان في ذاكرة الناس، وكانت النساء يتبادلن الأحاديث أثناء أعمالهن، فيما الأطفال يركضون في الدرابين والحقول، لا يخافون من العالم لأن العالم يومها كان يعرفهم.
حتى ألعابنا كانت بسيطة؛ نلعب بما نصنعه بأيدينا، ونخترع لأنفسنا عالما من الفرح دون أن نطلب من أحد شيئا. كنا نعود إلى البيت بثياب متسخة ووجوه متعبة، لكن قلوبنا كانت ممتلئة بالفرح.
وكان للعيد طعم آخر.
ثوب جديد، وحذاء جديد، وقطعة حلوى، وبعض النقود التي نشعر أنها ثروة عظيمة. ننتظر الأقارب ونذهب لزيارة الأهل، وتبقى رائحة الطعام والحلوى عالقة في البيت أياما. كان العيد يومها اجتماع الناس قبل أن يكون مظاهر وفرحا.
وكانت المناسبات الاجتماعية تجمع الجميع. في الأفراح تجد أهل القرية والعشيرة والأصدقاء، وفي الأحزان تجدهم قبل أن تطلب حضورهم. لم يكن أحد يسأل: ماذا سأستفيد؟ كان السؤال: من يحتاجنا؟
ومن أجمل ما في تلك الأيام احترام الكبير. كان الجد والعم والخال والمعلم أسماء لها وزنها في المجتمع. وكنا نعرف أن للكلمة حرمتها، وللوعد قيمته، وللجار حقه، وللضيف مكانته.
حتى الخصومة كانت مختلفة؛ يختلف الناس ثم يتصالحون، وقد يجلس رجل كبير بين اثنين متخاصمين فينهي الخلاف بكلمة واحدة. كانت للهيبة الاجتماعية قيمتها، وكانت الكلمة الطيبة قادرة أحيانا على حل ما تعجز عنه الخصومات الطويلة.
ثم كبرنا...
وكبرت معنا المدن، وتغيرت البيوت، وتغيرت وسائل الحياة، ودخل التلفاز ثم الهاتف ثم الإنترنت إلى كل بيت، وأصبح العالم كله في شاشة صغيرة نحملها في أيدينا.
لكننا، رغم كل هذا التطور، ما زلنا نبحث عن تلك الدفء القديم.
نشتاق إلى بيت الجد، إلى صوت الجدة، إلى دكة الطين، إلى الفانوس، إلى التنور، إلى ليالي الصيف، إلى مطر الشتاء، إلى ضحكات الأصدقاء، وإلى أشخاص رحلوا ولم يأخذوا معهم ذكرياتهم؛ فقد تركوها فينا.
لقد أدركنا متأخرين أن بعض الأشياء لا نعرف قيمتها وهي بين أيدينا.
كنا نعتقد أن تلك الأيام عادية، ولم نكن نعرف أننا نعيش أجمل فصول العمر. لم نكن نتصور أن دكة الطين التي كنا نجلس عليها ستصبح يوما أجمل من أفخم المقاعد، وأن صوت الجدة والجد والام والاب سيصبح أغلى من كل الأصوات، وأن اجتماع العائلة حول فانوس صغير سيصبح ذكرى لا تقدر بثمن.
ولهذا فإن الحنين إلى الماضي ليس حنينا إلى الفقر أو قسوة الحياة، وإنما هو حنين إلى زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر دفئا، وكانت الضحكة تخرج من القلب، وكان للناس وقت لبعضهم.
من دفاتر الذاكرة لا نبحث عن أيام مضت، بل نبحث عن أنفسنا التي عاشت تلك الأيام.
نفتح صفحة قديمة، فنرى طفلا يركض في درابين قريتنا في منطقة جنوب الموصل، ونسمع ضحكة صديق، ونرى جدة تجلس قرب الفانوس، ونشم رائحة خبز خرج لتوه من التنور، ثم نغلق الدفتر ونقول في سرنا:
ما أجمل الأيام التي لم نكن نعرف أنها ستكون يوما... أجمل الذكريات.