حين تنتصر الذاكرة على الحقيقة
قراءة نقدية في قصة إغتيال حزن
حمدي العطار
ليست كل القصص قائمة على حدث يصنعه البطل أو يسعى إلى تغييره فبعضها يبدأ من النهاية، من اللحظة التي يصبح فيها الموت حقيقة مؤجلة لا مفر منها، لتتحول البطولة من الفعل إلى المشاعر، ومن الصراع مع الحياة إلى محاولة الاحتفاظ بذكرياتها. في قصة “اغتيال حزن”، من المجموعة القصصية التي تحمل العنوان نفسه للقاص محسن عواد، لا يواجه البطل مرضه وحده، بل تذهب القصة أبعد من ذلك، لتضعنا أمام امرأة تحاول أن تحمي صورة الرجل الذي أحبته من انكشاف محتمل قد يبدد أربعين عاماً أو أكثر من الذكريات والمشاعر المشتركة.
القصة بين التجربة الشخصية والخيال الإبداعي
ومن الضروري، في قراءة هذه القصة، التمييز بين ما يكتبه القاص وما عاشه في حياته الشخصية؛ فليس كل ما يبدعه الكاتب اعترافاً ذاتياً، ولا ينبغي التعامل مع الشخصيات والأحداث بوصفها انعكاساً مباشراً لسيرته الخاصة. إن القصة بناء فني يستمد مادته من الخيال والتجربة والملاحظة والاطلاع على حكايات الآخرين، ثم يعيد تشكيلها وفق رؤية إبداعية تمنحها دلالات تتجاوز أصحاب التجارب الأصليين.
وإذا كان القاص محسن عواد يعمل مستشاراً قانونياً، فإن طبيعة عمله قد تتيح له الاطلاع على جوانب متعددة من العلاقات الإنسانية، وما يحيط بها من أسرار وصراعات وتناقضات، من دون أن يعني ذلك أن أحداث “اغتيال حزن” مستمدة من واقعة بعينها أو من حياته الزوجية الخاصة. فالمعيار النقدي ليس البحث عن صاحب التجربة الحقيقية وراء الشخصية، بل تحليل الطريقة التي حول بها القاص مادته الحكائية إلى نص أدبي، وكيف بنى الصراع النفسي للبطلة، وترك النهاية مفتوحة أمام احتمالات التأويل. إن استقلال الشخصية القصصية عن صاحبها شرط أساسي لقراءة العمل بوصفه إبداعاً، لا وثيقة شخصية أو اعترافاً سرياً.
القراءة النقدية
منذ البداية، يزيح القاص البطولة التقليدية عن الزوج المريض بالسرطان، الذي ينتظر الموت، ويمنحها لزوجته المخلصة والعاشقة، التي تتعامل مع أيامه الأخيرة بوصفها فرصة لحفظ صورته في ذاكرة الأبناء والأصدقاء. فهي تستدعي أبناءهما الثلاثة لزيارة والدهم قبل أن تتغير ملامحه ووزنه، كما تدعو أصدقاءه المقربين كي يروه كما عرفوه: “قوياً، أنيقاً، ضاحكاً، متفائلاً ومقبلاً على الحياة رغم تقدم العمر».
لا تبدو هذه المبادرة مجرد تصرف إنساني أمام مرض عضال، بل تكشف عن وعي الزوجة بقيمة الصورة التي صنعتها الحياة المشتركة. إنها تريد أن يبقى الرجل في ذاكرة الآخرين كما عرفوه، لا كما قد يحوله المرض إلى جسد منهك. وهنا تتجلى عاطفة المرأة في أسمى صورها، لكنها تفتح، في الوقت نفسه، باباً للتساؤل عن طبيعة العلاقة الزوجية: هل يكفي الحب المتراكم كي يحمي صورة الحبيب من كل ما يمكن أن تكشفه الحقيقة؟
الاعتذار الغامض: ذنب أم خوف من الرحيل؟
بعد استعادة ذكريات الزوجين، يبدأ الزوج بإلحاح في طلب السماح من زوجته، التي تسأله عن السبب، فلا تتلقى سوى إجابة غامضة:
«عن كل شيء.. أو عن لا شيء”. بهذه العبارة المكثفة، يزرع محسن عواد بذرة الشك في فضاء الحكاية، ويحوّل الاعتذار من تعبير عن الندم إلى علامة سردية تكتسب معناها الكامل في نهاية القصة.
فالزوج لا يقدم اعترافاً صريحاً، ولا يحدد خطأ ارتكبه، وإنما يترك زوجته أمام احتمالين: أن يكون قد أخطأ في حقها فعلاً، أو أن يكون شعوره بقرب الموت قد دفعه إلى مراجعة حياته والاعتذار عن تقصير لا يستطيع تحديده. وتكمن قوة العبارة في أنها لا تحسم الأمر، بل تجعل القارئ شريكاً في إنتاج المعنى، وتمنح النهاية أكثر من احتمال تأويلي.
بعد وفاة الزوج وانتهاء العزاء، تنتقل الزوجة من مواجهة الفقد إلى مواجهة المجهول. تبدأ البحث في هاتفه، فتقلب الصور والذكريات، إلى أن تصادف تطبيقاً لا تستطيع فتحه لأنه يتطلب بصمة الوجه. هنا يتحول الهاتف من شيء شخصي إلى بوابة محتملة نحو سر ظل مغلقاً طوال حياة الزوج.
وتحت ضغط القلق والشك، تستعيد الزوجة اعتذاراته المتكررة، وتسأل نفسها إن كانت لها علاقة بما تشعر به الآن من لهفة على فتح التطبيق. ثم تتراجع قائلة: “لا.. لا.. لا يا حبيبي! لا يا عمري! أريد أن أحتفظ لك كما أنت، كما عرفتك».
إن هذا التردد يكشف الصراع الحقيقي الذي تعيشه البطلة. فهي لا تخشى معرفة السر وحده، بل تخشى ما قد تفعله المعرفة بذاكرتها وبصورتها عن الرجل الذي أحبته. لقد أصبحت الحقيقة المحتملة تهديداً للماضي كله؛ فإذا اكتشفت خيانة أو علاقة أخرى، فهل ستعيد تفسير سنوات الحب والوفاء باعتبارها سنوات من الخداع؟ أم ستظل قادرة على الفصل بين خطأ محتمل وبين حياة كاملة عاشتها معه؟
موقف الزوجة الأخرى: هل تختار الحب أم الحقيقة؟
لا يقدم النص وفق الوقائع التي تكشفها الحكاية، دليلاً قاطعاً على خيانة الزوج، ولذلك ينبغي ألا يتحول الشك إلى حقيقة نقدية نهائية. فالتطبيق المغلق والاعتذارات المتكررة يثيران احتمال وجود سر، لكن القاص يترك هذا الاحتمال معلقاً، ويجعل موقف الزوجة من اكتشافه هو مركز الثقل في القصة.
والأهم أن البطلة لا تواجه زوجة أخرى حاضرة في الأحداث، بقدر ما تواجه احتمال وجود امرأة أخرى في حياة زوجها، أو حقيقة خفية تهدد احتكارها العاطفي لذكرياته. إنها تقف أمام منافسة غائبة، لا تعرف عنها شيئاً، لكنها تشعر بأن مجرد اكتشافها قد ينتقص من مكانتها في حياة الرجل. ومن هنا تتخذ القصة بعداً نفسياً يتجاوز الغيرة التقليدية؛ فالصراع ليس بين امرأتين بقدر ما هو صراع داخل امرأة واحدة بين رغبتها في المعرفة وحاجتها إلى حماية الحب من الشك.
وعندما تقرر التوجه إلى جهة تساعدها على فتح التطبيق، يبدو أنها اختارت الحقيقة، لكنها تتوقف عند الجسر. تستعيد هاتف زوجها، تقبّله وتضمه إلى صدرها، ثم تستشعر عطره كأنه ما زال حاضراً في جسدها. وفي لحظة مشحونة بالدلالة، ترخي يدها ليسقط الهاتف في الماء، وتقول: “ وداعا صديقي، حبيبي، رفيق عمري.. لن أدع شيئاً يسلبني وقار حزني الذي تستحقه علي».
إن إلقاء الهاتف ليس مجرد تخلص من وسيلة قد تكشف سراً، بل هو فعل سردي حاسم تختار فيه الزوجة ألا تمنح الشك سلطة إعادة كتابة ماضيها. لقد أدركت أن معرفة الحقيقة قد لا تعيد إليها زوجها، لكنها قد تسلبها سلامها الداخلي، وتحوّل حزنها عليه إلى محاكمة متأخرة لا تستطيع أن تسمع فيها دفاعه أو تواجهه باعتراف.
خاتمة: اغتيال الحقيقة أم اغتيال الشك؟
تكمن المفارقة في عنوان القصة “اغتيال حزن”، إذ إن الزوجة لا تلغي حزنها، بل تحاول حمايته من التلوث بالشك. وهي لا تسامح الزوج على خيانة ثبتت، لأن القصة لا تقدم دليلاً حاسماً عليها، وإنما تختار ألا تبحث عن الحقيقة حتى النهاية. فهل هذا انتصار للحب، أم استسلام للخوف من اكتشاف أن الحياة التي عاشتها لم تكن كما اعتقدت؟
لا تفرض القصة إجابة واحدة، وهذه إحدى نقاط قوتها. إنها تضعنا أمام سؤال أخلاقي ونفسي: هل يحق للإنسان أن يختار الوهم حفاظاً على ذكرى جميلة، أم أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، تظل حقاً لا يجوز التفريط فيه؟ وربما لا تكمن حكمة القصة في الدعوة إلى مسامحة الخيانة، بل في الكشف عن أن بعض الحقائق تأتي متأخرة إلى حد لا يعود معه اكتشافها قادراً على إصلاح شيء.
لقد اختارت الزوجة أن تحتفظ بحزنها بوصفه الدليل الأخير على حبها، وأن تترك الهاتف يغيب في الماء، كما غاب صاحبه في الموت. لكن الدائرة الصغيرة التي ظهرت على سطح الماء ثم اختفت تظل صورة دالة على السر الذي لن يكشف، وعلى السؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل اغتالت الزوجة الحقيقة، أم اغتالت الشك كي تنقذ ما تبقى من حبها؟