الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في مهبّ الفقد تتفتّح الخزامى؛ قراءة بديوان نجاة رجاح «وطن من الخزامى يحضنني»


في مهبّ الفقد تتفتّح الخزامى؛ قراءة بديوان نجاة رجاح «وطن من الخزامى يحضنني»

حسن يارتي

 

في الشعر الذي يبدأ بالفقد ويستقر فيه، يصبح العنوان وعدًا بالعزاء... وهذا ما يفعله ديوان نجاة رجاح الصادر عن برشلونة الأدبية تحت عنوان «وطن من الخزامى يحضنني». حيث الوطن لا يُرى على الخريطة وإنما يُشَمّ كعطر ويُحَسّ كحضن. فيفعل الوطن فعل الأم في الاحتضان وكأن الشاعرة بعد أن أضاعت الحضن الأول تقيم لنفسها حضنًا آخر من اللغة.

يبدأ الديوان بإهداء إلى الأم الراحلة، وليس هذا الاختيار مجرد تحية عاطفية تسبق القصائد، بل يبدو مفتاحًا وجدانيًا لفهم كثير من عوالم المجموعة. تستحضر الشاعرة الأم عبر تفاصيل حسية شديدة الخصوصية: الجبين، والضفيرة، والسبحة، والسجادة المعطرة بالمسك والعنبر، والصوت المشبع بالابتهال. إنها لا تستعيد الصورة من خلال الملامح فحسب، وإنما من خلال الأشياء التي تركت أثرها في الذاكرة، وكأن تفاصيل الحياة اليومية تحولت بعد الرحيل إلى علامات مقدسة لا تنفصل عن حضورها.

وفي قصيدة «وأزهرت دمعة الأمهات» يتسع هذا الحضور ليغدو الأم رمزًا للحماية والقداسة والارتباط بالأرض. تقول الشاعرة: «لم أنسى وجه أمي – يوم رحيلي»، وهي عبارة تختزل علاقة الرحيل بالذاكرة؛ فمهما اتسعت المسافات، يظل وجه الأم حاضرًا بوصفه الصورة الأولى التي لا تستطيع الغربة محوها. وتزداد هذه العلاقة عمقًا حين تتداخل صورة الأم مع مريم، ومع الصلاة والابتهال، فتغدو الأم أكثر من ذكرى شخصية؛ إنها ملاذ روحي تستمد منه الذات قدرتها على مواصلة الطريق.

يظهر الوطن في هذا الديوان باعتباره أكثر من مساحة جغرافية محددة، يظهر على شكل كيان وجداني تتداخل فيه الأرض والهوية والذاكرة والإنسان. فالشاعرة تستحضر مدنًا وأمكنة متعددة، من مراكش ودمشق وصنعاء وكربلاء إلى غرناطة والأندلس، لتصنع منها خريطة شعرية لا تحدّها الحدود السياسية، وإنما توحدها التجربة الإنسانية وما تحمله من ذاكرة مشتركة.

وتكتسب الأندلس حضورًا رمزيًا خاصًا، إذ تستدعي الشاعرة سقوط غرناطة كصورة متجددة لانكسار الحلم وفقدان المكان. وفي قصيدة «تيه بأرض البحر» تخاطب الأندلس بنبرة تجمع بين المواساة والاحتجاج: «لا تحزني يا أندلس»،  لتحاول أن تمنح التاريخ فرصة أخرى للحياة داخل القصيدة. فالأندلس هنا ليست مجرد استعادة لزمن مضى، وإنما رمز لكل وطن يتهدده الفقد، ولكل ذاكرة تخشى أن تتحول إلى أطلال.

يشغل الحب مساحة واسعة من التجربة الشعرية في هذا الديوان، لكنه لا يأتي في صورة غزل تقليدي يكتفي بوصف المحبوب أو الاحتفاء بجماله، بل يتخذ هيئة علاقة وجودية تتداخل فيها الرغبة بالوفاء، والانتظار بالقلق، والغياب بالإيمان العاطفي.

في قصيدة «نشيج» تتحول المسافة بين العاشقين إلى فضاء من الحداد الداخلي، وتصبح الذات فضاءً مفتوحًا لاستقبال الألم: «وتترك صدري مخيمًا / تبيض فيه الأحزان / وتبني الجراح فيه أعشاشها». إنها صورة تجمع بين المخيم، بما يحمله من دلالات الاقتلاع وعدم الاستقرار، وبين الأحزان التي تتخذ منه مكانًا للإقامة. وهكذا لا يكون الغياب حدثًا عابرًا، بل يتحول إلى حالة تسكن الجسد وتعيد تشكيل علاقته بالعالم.

وتتكرر لازمة «لو خيّرتني ما اخترت سواك» لتؤكد رسوخ الاختيار العاطفي رغم ما يرافقه من ألم. فالذات لا تتراجع عن حبها، حتى حين يصبح الانتظار عبئًا والغياب امتحانًا طويلًا. وتستعين الشاعرة بمعجم روحي واضح، من قبيل الابتهال والترانيم والأوراد والصلاة، لتمنح هذا الحب أفقًا يتجاوز العلاقة الإنسانية المباشرة، فيقترب أحيانًا من التجربة الصوفية التي تجعل المحبوب مركزًا للوجود وملاذًا للروح.

غير أن هذا الحب لا يخلو من التناقض؛ فهو مصدر الطمأنينة ومصدر الألم في الوقت نفسه، يمنح الذات القدرة على الحلم، لكنه يضاعف إحساسها بالغياب. ومن هنا تأتي قوته الشعرية، لأنه لا يقدم العاطفة باعتبارها حالة مثالية مكتملة، بل باعتبارها تجربة متوترة تتأرجح بين الرجاء والانكسار.

تنهض الصور الشعرية في الديوان على شبكة من الرموز الطبيعية التي تتكرر وتتفاعل فيما بينها. فالخزامى والليلك والياسمين والزيزفون والقرنفل، إلى جانب النخيل والزيتون والسنابل والصفصاف والسنديانة، تشكل معجمًا نباتيًا غنيًا لا يؤدي وظيفة تزيينية، وإنما يحمل أبعادًا نفسية ورمزية متصلة بالذاكرة والحب والمقاومة والتجدد.

فالسنابل، مثلًا، تحضر بوصفها علامة على الحياة والخصوبة والانتماء إلى الأرض، لكنها لا تنفصل عن صور الانكسار والاحتراق والدم. والزيتونة تستدعي معنى التجذر والصمود، بينما تتحول النخلة إلى صورة للعطاء والتضحية واستمرار الحياة رغم القسوة. أما الخزامى فتبدو أقرب إلى الرمز الجامع الذي تتلاقى عنده الرغبة في السكينة والحاجة إلى الاحتضان، ولذلك اختيرت لتكون مركز الصورة التي يحملها عنوان الديوان.

وفي مقابل هذا المعجم النباتي، تحضر النوارس والبحر والشمس بوصفها رموزًا للحركة والرحيل واتساع الأفق. فالنورس في تجربة نجاة رجاح ليس طائرًا عابرًا في المشهد، وإنما كائن يحمل دلالة الهجرة والحرية والبحث عن مرفأ. والبحر بدوره فضاء متناقض؛ فهو طريق للعبور، لكنه قد يتحول إلى مرآة للضياع والانتظار والانكسار.

وتتضح هذه الدلالات في قصيدة «رحلة النوارس»، التي تختتم بها الشاعرة ديوانها، حين تقول: «رحيلي لا ينتهي، والنوارس». إنها عبارة تضع الرحيل في صيغة الاستمرار، فلا يبدو مغادرة مكان بعينه، بل يصبح قدرًا وجوديًا يرافق الذات أينما اتجهت. ومع ذلك، لا تنتهي القصيدة عند إعلان الغربة، بل تعود إلى طلب الاحتضان والدفء: «دثرني / ضمني / لف حولي / نبضات قلبك». وكأن الشاعرة، بعد كل تلك الرحلات، لا تزال تبحث عن مرفأ إنساني يعيد ترتيب فوضى الروح.

من أبرز الرهانات التي تتأسس عليها المجموعة أن الكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الألم، وإنما شكل من أشكال مقاومته. ففي قصيدة «أحلم بوطن من الشعر» تتبلور هذه الفكرة بصورة مباشرة؛ إذ يصبح الشعر المكان الذي تستطيع الذات أن تعيد فيه بناء انتمائها، وأن تحتمي من عالم يضيق بها.

وتتكرر هذه الفكرة في قصيدة «محاصرة بعينيك»، حيث تقول الشاعرة: «جردوني من أقلامي / من أوراقي / لكنهم لم يستطيعوا تجريدي من القصيدة». هنا تتجاوز الكتابة حدود الممارسة الفنية لتصبح فعلًا من أفعال الحرية، ووسيلة لمقاومة المحو ومصادرة الصوت. وحين تعلن الشاعرة أنها آثرت كتابة قصيدتها بدمها وعلى صفحات قلبها، فإنها تمنح الكتابة معنى وجوديًا يجعلها جزءًا من الجسد والهوية، لا شيئًا منفصلًا عنهما.

كما تتخذ المقاومة في بعض النصوص بعدًا إنسانيًا وجمعيًا، خصوصًا حين تحضر صور الأطفال والضحايا والدمار والاحتلال. فقصيدة «أيمن والصرخة الأخيرة» تقدم صورة إنسانية موجعة، يتقاطع فيها الحلم الشخصي مع مأساة الأرض، ويتحول فيها الجسد إلى مساحة للصراع بين الحياة والموت. ولا تتعامل الشاعرة مع هذه الموضوعات من موقع الرصد البارد، بل من داخل وجدان متورط في الألم، يرى في القصيدة شهادة على ما يحدث، ومحاولة للإبقاء على الذاكرة حية في مواجهة النسيان.

تعتمد نجاة رجاح في معظم نصوص الديوان على قصيدة النثر والشعر الحر، مستفيدة من الإيقاع الداخلي والتكرار والتوازي والصورة المركبة، دون الالتزام بنظام عروضي موحد. وتبدو الجملة الشعرية لديها مشدودة إلى الانفعال، فتتفاوت أطوال الأسطر تبعًا لحركة الشعور، وتتحول الوقفات وعلامات الحذف والنقاط المتتابعة إلى عناصر تسهم في تشكيل الإيقاع النفسي للنص.

ومن السمات اللافتة كذلك استهلال عدد من القصائد باقتباسات أو عبارات قصيرة، تؤدي وظيفة العتبة الدلالية التي تهيئ القارئ للدخول إلى النص. كما تتكرر النداءات والاستفهامات والمناجاة، وهي أدوات تمنح القصيدة طابعًا حواريًا، حتى عندما يكون المخاطب غائبًا أو بعيدًا.

وتنجح الشاعرة في مواضع كثيرة في بناء صور تقوم على المفارقة والمزج بين الحقول الدلالية المختلفة؛ فالجرح يجاور السنابل، والموت يجاور الأعراس، والدم يجاور الزهور، والحصار يجاور البحر. ومن هذا التداخل تنشأ لغة مشحونة بالتوتر، تعكس عالمًا لا تنفصل فيه مظاهر الجمال عن آثار الخراب.

وتستحق النصوص القصيرة في الديوان وقفة خاصة؛ إذ تتخلى الشاعرة فيها عن الامتداد التعبيري لصالح التكثيف، فتترك للقارئ مساحة لاستكمال المعنى وتأويله. ومن أمثلتها الومضة التي تستعيد فيها الأم من خلال لمسة يد وطيف حنون، وكذلك العبارة التي تقول فيها: «ذاكرتي صامتة / لأنها مفجوعة». ففي هذا الاقتصاد اللغوي تتجلى قدرة الصورة على حمل تجربة كاملة دون حاجة إلى شرح مطول.

ولعل أجمل ما في هذا الديوان أن الشاعرة، رغم ما تفتحه قصائدها من أبواب للحزن والغياب، لا تتخلى عن حاجتها إلى الجمال. فهي تستدعي الخزامى والليلك والنوارس والسنابل، وتزرع في أرض الجرح صورًا تقاوم القبح والخراب. وكأنها تقول إن الإنسان يستطيع أن يفقد المكان، لكنه لا يفقد بالضرورة قدرته على إعادة بنائه في اللغة.

إنه ديوان أمّ تسكن الذاكرة، وحبيب يسكن الانتظار، ووطن يسكن الجرح، وامرأة تحاول أن تجمع شتات هذه العوالم في قصيدة واحدة. وحين تنتهي الرحلة عند النوارس، لا ينتهي البحث عن الحضن؛ فثمة غربة لا يوقفها الوصول، وثمة قصيدة تظل مفتوحة على مرفأ مؤجل.

هكذا تتفتح الخزامى في مهبّ الفقد، لا لتخفي رائحة الجرح، بل لتمنحه عطرًا آخر؛ عطر الكتابة التي لا تعيد ما ضاع، لكنها تمنح الغائبين مكانًا دائمًا في الذاكرة، وتمنح الروح وطنًا تستطيع أن تحتمي به كلما اشتد عليها الرحيل.

 

*****

أديب ومترجم مقيم في إسبانيا


مشاهدات 32
الكاتب حسن يارتي
أضيف 2026/11/07 - 1:39 AM
آخر تحديث 2026/11/07 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 199 الشهر 13118 الكلي 16663652
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير