العراقيون غادروا التفكير العلمي إلى الخرافي
قاسم حسين صالح
نقصد بالتفكير الخرافي تفسير الظاهرة بغير اسبابها الحقيقية العلّية، أو عزو نتائج عمل معين أو حادث إلى غير مسبباته الفعلية.
ويميل الرأي إلى الاعتقاد بأن الظواهر الطبيعية التي تقع خارج سيطرة الإنسان من قبيل : الاعاصير ، الزلازل ، الطوفان ، الرعد والبرق .. كان يجري تفسيرها في البدء على إنها تحدث بفعل قوى غير طبيعية ، وكان « اختلال « عقل الإنسان أو أصابته بالجنون يخضع للتفسير نفسه . فالجماجم التي وجدت فيها ثقوب صغيرة جرى تفسيرها على إنها تعود لاشخاص اصيبوا بامراض عقلية . وان أسلافنا الاولين كانوا « يعالجون « هؤلاء بفتح ثقوب في جماجمهم لأعتقادهم بوجود ارواح شريرة في داخلها ، وان فتح هذه الثقوب يساعد على طرد الارواح الشريرة من ادمغتهم.
وكان البابليون ينظرون إلى الإنسان « المخبول « على انه مبتلى بعفريت هو سبب مرضه ، وان هنالك روحا» أو عفريتا لكل مرض . ومثل هذا الاعتقاد كان موجودا» لدى الصينين والاغريقيين ، الذين كانوا يعزون « الجنون « أو الشذوذ في السلوك، إلى أن الشخص تمتلكه روح شريرة بعد أن يسحب عنه الآله حمايته له.
وكانت مثل هذه الاعتقادات والخرافات شائعة حتى في اوربا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، وانتشر السحر والسحرة فيها حتى القرن الثامن عشر ، وهي حالة حتمية بسبب الحروب والمجاعة والاوبئة التي شهدتها اوربا في تلك العصور.
عقيدة دينية
كان ذلك حال الناس قبل نشوء العلم ، وهم معذورون عن تفكيرهم الخرافي ، لكن العذر يكون باهتا» لمن يعيش في عصر العلم وما يزل يؤمن بالخرافه .. بل انك ترى « اكاديميين « بينهم حملة دكتوراه لديهم خرافاتهم التي يعتقدون بها!
وقد يعزى السبب إلى أن خلايا دماغ الإنسان كانت قد تدربت أو تقولبت عبر ملايين السنين على التفكير الخرافي ، وأن فيها من « الترسبات « ما لايستطيع العلم الحديث محوه ، أو لأن مصدر الخرافة في الأصل كان عقيدة شبه دينية ، على ما يرى الباحثان ( انجلش وانجلش ) ، أو لأنها فلكلور شعبي يحبه الناس على ما يرى الباحث « هل « ، أو إنها اعتقاد راسخ في القوى فوق الطبيعة وفي الاجراءات السحرية المخدّره من التفكير الخيالي وصارت مقبولة اجتماعيا على ما يرى « كارل يونغ « ، أو لمعاناة القهر التي يعيشها الانسان المعاصر لاسيما في الشعوب المتخلفة التي تحكمها سلطات غير عادلة وعدم وجود حلول لمشكلاته الحياتية وتضافر وسائل الاتصال الحديثة مع وسائل الفكر الشعبي في ترويج الخرافة كما نعتقد نحن.
وسواء كانت الخرافة اعتقادا أو فكرة .. ذات مصدر ديني أو شعبي أو سحري .. فأن المهم في الأمر أن الخرافة طريقة في التفكير يعتمدها الفرد في تفسير ما حدث له أو ما سيحدث بغير أسبابه الحقيقية ، وبشكل مخالف أو مناقض للتفسير العلمي لها، على وفق مقاييس العقل والمنطق والموضوعية .
والحقيقة أن آلية التفكير الخرافي لا تختلف عن آلية التفكير العلمي من حيث أن كليهما يهدف إلى تفسير ظاهرة غامضة ، غير أنهما يختلفان من حيث أن التفكير العلمي يتوصل إلى معرفة الأسباب العلّية الفعلية للظاهرة ، فيما يعزوها التفكير الخرافي إلى أسباب لا علاقة لها بالظاهرة .
والخرافة بهذا المعنى تختلف عن الاعتقاد الخاطيء من حيث ديمومتها وتمّسك الفرد « واحيانا» المجتمع « بها ، فيما الاعتقاد الخاطيء يكون طارئا» يتراجع الفرد عنه حين يثبت له العكس. كما تختلف الخرافة عن الشائعة التي تظهر في أوقات الحروب عادة لأنها تختفي سريعا» ، فيما الخرافة تظل مستمرة سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.
والملاحظ إن انتشار الخرافات يكثر في أوقات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية ، وتعرّض المجتمع إلى أخطار مثل حدوث حرب أو توقع حدوثها . وهنالك علاقة طردية بين انتشار أو شيوع الخرافة وبين تعرّض الفرد أو الناس إلى الخوف أو القلق، وبينها « الخرافة « وبين التخلف والجهل وتدني المستوى الثقافي ، وبينها وبين إدراك الفرد أو المجتمع بعجزه عن حل مشكلة حياتية يتوجب عليه حلّها.
وسيكولوجيا ، ان شيوع التفكير الخرافي في أي شعب ، يخدم حكاما شعارهم الاستفراد في السلطة والثروة. وما يدهشك ان العراقيين كانوا في السبعينيّات علمانيين تحولوا بعد 2003 الى ( خرافيين) ، وهم ماضون (يسبحون) عكس التيار في عصر يعتمد العلم في تطوره الحضاري!