إلى الاتحاد العام للأدباء والكتّاب.. الأدب للناس فلِمَ أبعدتم أنفسكم عن الناس؟
شوقي كريم حسن
ليس من العدل أن نطالب الأدب بأن يكون ضمير المجتمع، ثم نصمت حين يُمتحَن هذا الضمير في الشارع. وليس من الإنصاف أن نتغنّى بحرية الكلمة، ثم نُخفض أصواتنا حين تصبح الكلمة موقفاً، والموقف انحيازاً إلى الناس.
إلى الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، المؤسسة التي يُفترض أن تكون بيتاً للكلمة الحرة، وملاذاً للضمير الحي، وذاكرةً لا تخون وجع العراقيين:
أين أنتم من تشرين؟
في الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين، لم نسمع بياناً يليق بذاكرة تلك الانتفاضة، ولم نرَ دعوةً واضحة للأدباء والكتّاب للمشاركة في إحياء ذكراها. مرّت المناسبة، وبقي الصمت أبلغ ما صدر عن مؤسسةٍ يُفترض أن تكون اللغة مهنتها، وأن يكون الموقف الأخلاقي أحد معاني رسالتها.
أصابت الألسنةَ التي طالما أجادَت الكلامَ حالةٌ من الخرس، وكأن تشرين لم تكن حدثاً عراقياً كبيراً، وكأن الذين خرجوا مطالبين بوطنٍ يليق بهم لم يكونوا من الناس الذين كُتب الأدب من أجلهم، وعنهم، وبأوجاعهم.
ولعلّ الذاكرة خانتكم، أو لعلّكم آثرتم أن تخونوها؛ فهل نسيتم تلك الخيمة القريبة من نصب الحرية؟ تلك الخيمة التي لم تكن مجرّد قطعة قماش في ساحة احتجاج، بل كانت عنواناً لزمنٍ استعاد فيه العراقيون حقهم في الحلم، وكانت شاهداً على أن الكلمة حين تغادر الورق لا تموت، بل تصبح صوتاً في ساحة، ويداً تمتدّ إلى جريح، وكتفاً تسند متعباً، وذاكرةً تقاوم النسيان.
هناك، بالقرب من نصب الحرية، كان الشارع يكتب ما عجزت عنه البيانات، وكان الشباب يمنحون الوطن معنىً جديداً، وكانت الحياة الثقافية تُختبر خارج القاعات والمنابر: في التضامن، وفي الشجاعة، وفي الانحياز إلى الإنسان.
فأين كان الأدباء من كل ذلك؟ وأين كان الاتحاد الذي يحمل اسمهم ويمثّلهم؟
لسنا نطالبكم بأن تحوّلوا الاتحاد إلى حزب، ولا أن تتبنّوا رأياً سياسياً بعينه، ولا أن تتفقوا جميعاً على تفسير واحد للأحداث. إنما نطالبكم بألّا يتحوّل الحياد إلى ذريعةٍ للغياب، وألّا يصبح الصمت حلاً مريحاً كلما اقتربت الذاكرة من جرحٍ لم يندمل. فثمة مسافة شاسعة بين استقلال المؤسسة الثقافية وبين انفصالها عن المجتمع، وبين ألّا تكون تابعةً لأحد وبين ألّا تكون حاضرةً مع الناس.
الأدب للناس، لا للامتيازات؛ وللحقيقة، لا للمجاملات؛ وللذاكرة، لا للمواسم الانتقائية.
وإذا كان الاتحاد لا يستطيع أن يصدر بياناً في ذكرى انتفاضةٍ هزّت وجدان العراق، ولا أن يدعو أعضاءه إلى استعادة صلتهم بالشارع الذي طالما استلهموا منه قصائدهم وحكاياتهم، فبأي معنى يريد من الناس أن يروا فيه بيتاً لهم؟ وما جدوى أن نكتب عن الفقراء والمهمّشين والمقهورين، إذا كنّا نغيب حين ينزل هؤلاء إلى الشوارع مطالبين بحقوقهم وكرامتهم؟
إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسة الثقافية ليس أن تختلف مع الشارع، بل أن تفقد القدرة على الإصغاء إليه؛ وليس أن تخطئ في موقف، بل أن تتعامل مع الذاكرة وكأنها عبء، ومع المواقف الأخلاقية وكأنها مخاطرة لا تستحق العناء.لسنا هنا لنوزّع شهادات الوطنية، ولا لنحتكر تشرين أو نختزلها في جهةٍ أو جماعة. نحن نذكّر فقط بأنّ تشرين جزء من الذاكرة العراقية المعاصرة، وأنّ من حقّ الأدباء أن يسألوا مؤسستهم عن موقعها من هذه الذاكرة، ومن حقّ الناس أن يتساءلوا عن معنى الثقافة إذا لم تجد طريقها إليهم حين يحتاجونها.
ويا اتحاد الأدباء والكتّاب، لا نريد منكم قصيدة رثاءٍ بعد أن تبرد الأحداث، ولا بياناً متأخراً يُكتب لرفع العتب، ولا كلماتٍ منمّقة تُضاف إلى أرشيف المؤسسة. نريد موقفاً يُعيد للكلمة وزنها، وللمؤسسة صلتها بالناس، وللذاكرة حقّها في الحضور.
فلا تجعلوا الخيمة القريبة من نصب الحرية أبعدَ عن ذاكرتكم من أبعد قصيدةٍ في أرشيفكم.
تشرين ليست امتحاناً للذاكرة وحدها، بل امتحانٌ لمعنى الثقافة، ولمسؤولية الكاتب، ولقدرة المؤسسة على ألّا تفقد روحها وهي تحافظ على اسمها.
وإن كان الأدب للناس حقاً، فالسؤال الذي لا يجوز تأجيله هو:
حين نادى الناس، أين كان الأدب؟ وحين احتاجت تشرين إلى صوتكم، لماذا اختار الاتحاد الصمت؟
هذا عتابٌ لا يراد به هدم البيت، بل تذكيرٌ بأنّ البيت الذي يُغلق أبوابه في وجه الناس، مهما ازدانت جدرانه بالشهادات والصور، يخاطر بأن يفقد المعنى الذي بُني من أجله.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يفعله الاتحاد اليوم ليس أن يدافع عن صمته، بل أن يصغي إلى هذا السؤال، وأن يراجع موقفه، وأن يتذكّر أنّ المؤسسات الثقافية لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله حين يصبح الكلام واجباً.
الأدب للناس… فعودوا إليهم، قبل أن تصبح المسافة بينكم وبينهم أكبر من أن تجسرها قصيدة.