حين يصبح الانحراف أمراً عادياً..فمن المسؤول عن استعادة التوازن الاخلاقي
هند الحافظ
إذا كانت الأخلاق هي العمود الفقري لأي مجتمع، فماذا يحدث عندما يبدأ هذا العمود بالتصدع؟
السؤال لم يعد حواراً مع النفس، لأن التراجع لم يعد محصوراً في حالات فردية يمكن تجاهلها، بل أصبح يظهر في المدرسة والشارع والأسرة ومواقع التواصل، وفي تفاصيل تعاملاتنا اليومية.
طفل يتعلم الإهانة قبل الاحترام، وطالب يرى التجاوز على المعلم أمراً عادياً، وأسرة تترك الهاتف يؤدي دور المربي، وشاب يتخذ من تعدد علاقاته النسائية مقياساً للرجولة! ثم نتساءل بعد كل حادثة: كيف وصلنا إلى هنا؟
ربما علينا أن نسأل أولاً: متى بدأنا نعتبر ما كان مرفوضاً بالأمس أمراً عادياً اليوم؟
إن استعادة التوازن الأخلاقي لا تبدأ بالانتقادات، وإنما بإعادة النظر في المؤسسات التي تصنع الإنسان، وفي مقدمتها المدرسة والأسرة.
ولعل المدرسة هي المكان الأول الذي ينبغي أن نعيد إليه الاعتبار، فدورها لا يقتصر على منح الشهادات، وإنما يمتد إلى صناعة الشخصية والضمير الأخلاقي. وهذا يتطلب معلماً لا يحمل المعرفة وحدها، بل يكون جديراً بموقع المربي؛ يؤمن بالقيم التي من واجبه غرسها، ويمارسها عن قناعة حقيقية، لا بوصفها عبارات يطالب الآخرين بالالتزام بها.
فكيف نطلب من تلميذ أن يؤمن بقيمة لا يجدها راسخة فيمن يعلّمه إياها؟
ومن المدرسة نصل إلى الأسرة، التي لا يمكن لأي مؤسسة أن تحل محلها.
فالطفل الذي لا يجد في بيته توجيهاً واحتواءً وقدوة، قد يبحث عنها خارج الأسرة، وقد يجدها في الشارع أو خلف شاشة الهاتف.
ولهذا، فإن التربية الرقمية ليست خياراً. فالعالم الذي يدخل إليه الأبناء من هواتفهم قد يحمل لهم المعرفة، لكنه في الوقت نفسه قد يحمل أيضاً علاقات مؤذية ومحتوى عدائياً وافكاراً وسلوكيات لا تناسب أعمارهم.
المطلوب ليس مصادرة خصوصيتهم، وإنما أن تعرف الأسرة عالم أبنائها، وأن تراقب من دون تجسس، وتوجه من دون قمع، وتضع حدوداً واضحة من دون أن تغلق باب الحوار.
والسؤال ليس فقط: ماذا يفعل الأبناء على الإنترنت؟ بل: عمَّ يبحثون في عالم آخر بعيداً عن أسرهم؟
أما المجتمع، فقد أصبح بحاجة إلى استعادة معنى المسؤولية. فمن أخطر مظاهر التراجع أن نرى الخطأ ونعتبره شأناً لا يعنينا.
مشاجرة في الشارع تتحول إلى مادة للتصوير، وتنمر على شخصٍ ما من ذوي الإعاقة يتحول إلى مجال للسخرية ، وأعتداء يشاهده الآخرون ثم يمرون بصمت دون تدخل لانقاذ المُجنى عليه .
لكن ماذا يحدث عندما يصبح الجميع «لا شأن له بما يحدث»؟
من يحمي الضحية؟ ومن يوقف التجاوز؟ ومن يمنع الخطأ حين يتحول إلى سلوك طبيعي؟
المسؤولية المجتمعية لا تعني أن يتحول الناس إلى رقباء على بعضهم، وإنما أن نستعيد القدرة على رفض السلوك المنحرف، وأن نحتكم إلى القانون عندما يكون التدخل ضرورياً، وألا نمنح الانحراف الأخلاقي شرعية الصمت.
فالأزمة لا تقف عند السلوك، بل تمتد إلى علاقتنا بالأخلاق نفسها.
الكثيرون يتحدثون عن الفضيلة، لكن هل يمارسونها عندما لا يراهم أحد؟
فقد يدافع شخص عن حقوق الآخرين ثم يستغل من هو أضعف منه، وقد يُظهر أحدهم قدسية الأسرة في كلامه بينما يستخدم العنف داخل بيته، وقد ينتقد آخر سلوكيات المجتمع ثم يمارس خلف الشاشات سلوكاً يناقض كل ما يقوله.
فهل الأخلاق ما ندعيه عن أنفسنا، أم ما نفعله عندما لا يراقبنا أحد؟
ربما لهذا السبب لا يحتاج المجتمع إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى الصدق مع نفسه.
فمن السهل أن نضع المسؤولية على «جيل اليوم»، أو الأسرة، أو المدرسة، أو الدولة. لكن السؤال الأصعب هو: أين نقف نحن من كل ذلك؟
هل من المنطقي أن نطالب الآخرين بما لم نستطع الالتزام به؟
وهل ما نسميه اليوم «انهياراً أخلاقياً» حدث فجأة، أم أنه حصيلة سنوات من التهاون والتبرير والصمت؟
الإصلاح يمكن أن يبدأ عندما تستعيد الأسرة دورها، وتستعيد المدرسة رسالتها، ويسترجع المجتمع شجاعته في مواجهة فشله والاعتراف به، ويبدأ كل فرد بمراجعة ما يضيفه إلى هذا المشهد.
فربما لم يعد السؤال: من المسؤول عن هذا الانهيار؟
بل السؤال الذي يستحق أن نواجهه جميعاً:
ماذا فعلنا حتى أصبح الانحراف أمراً عادياً؟