الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أمراضٌ نباتية غيَّرت وجه التاريخ

← بواسطة azzaman

أمراضٌ نباتية غيَّرت وجه التاريخ

نبيل عزيز قاسم

 

المرض النباتي هو عارض يصيب النبات فيضعفه أو يميته. والنباتات تهاجمها الكائنات الدقيقة الممرضة كغيرها من الكائنات الحية الأخرى وعلى رأسها الانسان ، فكما يمرض الحيوان يمرض النبات. وتتفاوت أمراض النبات في خطورتها ، فقد تكون طفيفة التأثير على محاصيلنا ، وقد تكون خطيرة وخاصة عندما تنتشر بشكل وبائي أو بشكل جائحة فتدمر محاصيلنا وتسلب منا غذائنا. وتزداد خطورة هذه الأمراض حين تفتك بمحاصيل اقتصادية هامة نعتمد عليها في غذائنا ومنها محاصيل الحبوب كالقمح والشعير ، ومحاصيل الخضر كالبطاطا لارتباط انتاج هذه المحاصيل بالامن الغذائي.

وسجلت لنا الوقائع التاريخية أمراضاً نباتية انتشرت وبائياً فدمرت محاصيل وأحدثت مجاعات أو أمراضاً مهلكة غيرت وجه التاريخ وخلقت واقعاً دولياً جديداً لم يكن ليحصل لولا انتشارها. والأمثلة التاريخية على هذا الأمر كثيرة وسنذكر تجنباً للإطالة ثلاثة أمثلة ربما تكون هي الأهم في التاريخ الانساني الحديث.  

أولاً: مرض لفحة البطاطا والمجاعة الأيرلندية: مزيج مميت من الجهل والسياسة

في حدود عام 1800، أصبحت البطاطا التي جُلبت إلى أوروبا من أمريكا الجنوبية والوسطى نحو عام 1570 ، محصولاً راسخاً ومستقراً في أيرلندا بل وصارت الغذاء الرئيسي للغالبية العظمى من سكانها. وجاء تبني زراعة البطاطا نتيجة إنتاجها لكمية أكبر بكثير من الحاصل لوحدة المساحة مقارنة بمحاصيل القمح والشعير والشيلم التي كانت تُزرع حتى ذلك الحين في أيرلندا. وكان معظم المزارعون فقراء للغاية ولا يمتلكون أراضٍ، ويعيشون في أكواخ صغيرة مكونة من غرفة واحدة ويستأجرون الأراضي من ملاّك إنجليز كانوا يعيشون في إنجلترا، وكانت غلات الحبوب ضئيلة مما إضطرّهم لاستئجار أراض واسعة ليحصلوا على حاصل بالكاد يكفي لغذائهم ودفع الإيجارالباهظ للملاّك لتجنب طردهم. لذلك صار محصول البطاطا بإنتاجه الغزير هو البديل الأفضل لصغار المزارعين والعمال الذين صاروا يعتمدون عليه من أجل قوتهم وبقائهم ، وكان هؤلاء يشكلون حوالي نصف سكان أيرلندا. وساعد المناخ الأيرلندي وتربتها على ازدهار هذا المحصول.

ونظراً لافتقار هؤلاء المزارعون المعدمون إلى المستودعات المناسبة لخزن البطاطا ، فكانوا يخزنونها لفصل الشتاء لضمان غذائهم في خنادق ضحلة في الأرض ، وكانوا يفتحون جزءاً من هذه الخنادق ويأخذون ما تحتاجه عائلاتهم من البطاطا.

ونمت البطاطا بشكل جيد لسنوات عديدة في الحقول الأيرلندية بدون أية مشاكل خطيرة ، إلى أن حان موسم الزراعة في عام 1845 الذي كان موسماً ممتازاً في بدايته ويبشر بحاصل ممتاز بعد أن استوردوا درنات ملوثة من الولايات المتحدة.

وفي صيف تلك السنة ومع اقتراب موعد الجَنَي ، تغير الطقس في شمال أوروبا وأيرلندا وصار غائماً وأكثر رطوبة وبرودة، وبقي على هذه الحال لعدة أسابيع ، وبدأ تظهر على أوراق وأفرع نباتات البطاطا أعراض تبقعات بنية تتسع يومياً لتقتل المجموع الخضري بأكمله خلال أيام قلائل. وفي غضون أسابيع قليلة تحولت حقول البطاطا في شمال أوروبا وأيرلندا إلى كتل من نباتات تالفة ومتعفنة. وتعفنت كذلك درنات البطاطا التي دفنها المزارعون تحت الأرض خزيناً لغذائهم، ولم يعد لدى مزارعي أيرلندا ما يأكلوه. وبدأت المجاعة تنتشر في عموم البلاد وصار الناس يموتون في البيوت والطرقات. وكان موسم سنة 1946 رديئاً كسابقه واستمر تأثير المجاعة حتى سنة 1852.

وكانت هذه المجاعة هي الأشد في التاريخ الايرلندي الحديث وأطلقوا عليها  اسم An Gorta Mor  ومعناه باللغة الغيلية الأيرلندية «الجوع العظيم» أو «المجاعة الكبرى» والتي صارت نقطة تحول مفصلية في تاريخ ايرلندا والولايات المتحدة .

ولعبت العوامل السياسية دوراً في تفاقم المجاعة فقد كانت أيرلندا حينها تحت الحكم البريطاني المباشر وتعتمد سياسة الاقتصاد الحر ، وعلى الرغم من تدمير محصول البطاطا استمر تصدير محاصيل الحبوب والماشية الى بريطانيا لتسديد مبالغ الايجارات للملاّك الانجليز.

كما صاحب المجاعة انتشار أمراض خطيرة منها التيفوئيد والديزانتريا مما زاد من عدد الوفيات التي قدرت بحوالي مليون شخص ، وتراجع عدد سكان إيرلندا من نحو 8.4 مليون عام 1844 الى 6.6 مليون نسمة عام 1851. وغادرها بين عامي 1845 و 1855 أكثر من مليون ونصف شخص هاجر أغلبهم الى الولايات المتحدة. وأجبر الملاّك الانجليز المزارعين الفقراء على ترك أراضيهم لعدم قدرتهم على دفع إيجارها بل أن بعضهم دفع ثمن تذاكر سفر هؤلاء وتسفيرهم لغرض تحويل أراضيهم  الى مراعي.

وهاجر أغلب الايرلنديون في سفن خشبية بائسة ومكتظة ومات الكثير منهم فيها ، لذلك سميت بسفن التابوت Coffin Ships . واستقر أغلبهم في  مدن الساحل الشرقي الأمريكي مثل نيويورك وبوسطن وفيلادلفيا حيث عملوا في بناء السكك الحديدية والطرق والقنوات والأنفاق ، وأحدثت هجرتهم تغيراً ديموغرافياً في الولايات المتحدة حيث تقدر نسبة الأمريكيين من اصل ايرلندي اليوم بعشرات الملايين.

والمرض الذي سبب هذه المجاعة معروف لدينا اليوم وهو مرض فطري خطير يصيب البطاطا ويدمرها خلال أيام قلائل ونسميه «اللفحة المتأخرة» ويسببه فطر يسمى علمياً Phytophthora infestans ، وهو من الأمراض السهلة المكافحة اليوم بما يتوفر من مبيدات فطرية فعالة تُحيِّد خطره ولم يعد ذلك المرض الذي يهدد زراعة البطاطا في العالم ، وهو ينتشر بشكل وبائي في ظروف الرطوبة العالية وانخفاض درجات الحرارة وزيادة عدد الأيام الغائمة.

ثانياً.  مرض الإرجوت وفشل

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 13080 الكلي 16663614
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير