الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخاتم الذكي ليس مجرد إكسسوار: المخاطر التقنية والقانونية للبيانات التي ترتديها في إصبعك.

← بواسطة azzaman

الخاتم الذكي ليس مجرد إكسسوار: المخاطر التقنية والقانونية للبيانات التي ترتديها في إصبعك.

 

اثير هلال الدليمي

ماجستير هندسة بحوث العمليات

دكتوراة في القانون الدولي العام

باحث متخصص في الأمن السيبراني

 

 

لم تعد التكنولوجيا الذكية محصورة في الهواتف والحواسيب، بل أصبحت جزءاً من الأشياء التي نرتديها يومياً كالساعات والنظارات، ومن أبرز هذه التقنيات هي الخواتم الذكية التي تبدو للوهلة الأولى مجرد إكسسوار أنيق، لكنها في الحقيقة أجهزة صغيرة تنتمي إلى منظومة إنترنت الأشياء، وتضم مستشعرات قادرة على جمع بيانات صحية عن الجسم، كالحركة ومواعيد النوم والاستيقاظ والنشاطات البدنية، ومن ثم نقل هذه المعلومات إلى الهاتف والتطبيقات البرمجية والخدمات السحابية لتحليلها والاستفادة منها.

وهنا تبدأ القضية الحقيقية، فالمستخدم لا يرتدي خاتماً فقط، وإنما يرتدي جهازاً يمكن أن يجمع بصورة مستمرة، معلومات عن جسده وسلوكه واهتماماته وعاداته اليومية.

وعليه فإن السؤال الأمني الاهم لايقتصر على إمكانية اختراق الخاتم فقط، وإنما أصبح أكثر اتساعاً ليشمل؛ ماذا يعرف الخاتم عن صاحبه؟ ومن يستطيع الوصول إلى هذه المعلومات؟ وكيف يمكن استخدامها؟

 

????️من خاتم في الإصبع إلى منظومة رقمية متكاملة:

يعمل الخاتم الذكي من خلال مجموعة من المستشعرات التي تلتقط مؤشرات مختلفة، مثل معدل ضربات القلب، والحركة، ودرجة حرارة الجلد، وأنماط النوم والنشاط، بحسب إمكانات الجهاز وتصميم وبرمجياته، ثم تنتقل هذه البيانات عادةً إلى الهاتف الذكي عبر الاتصال اللاسلكي، ومنها إلى التطبيق الخاص بالخاتم، وقد تُرسل بعد ذلك إلى خوادم سحابية لمعالجتها وتخزينها وإنتاج تقارير وتحليلات للمستخدم، وهذا يعني، أن حماية الخاتم لا تتعلق بالخاتم وحده، بل هنالك عدة حلقات في سلسلة البيانات، تبدأ من المستشعر وتنتهي بالخدمة السحابية.

وعليه فإذا كانت إحدى هذه الحلقات تعاني ضعفاً أمنياً، فقد تصبح البيانات معرضة للاختراق والخطر، وقد يكون الخلل في الاتصال اللاسلكي، أو في التطبيق، أو في حساب المستخدم، أو في آلية المصادقة، أو في الخادم السحابي، أو في طريقة تحديث البرامج.

 لذلك فإن تعزيز الأمن السيبراني  الحقيقي للخاتم الذكي يجب أن يُنظر إليه باعتباره أمناً لمنظومة كاملة، وليس لجهاز صغير يوضع في الإصبع.

 

????️المخترق لا يبحث عن الخاتم… بل عما يعرفه الخاتم عن صاحبه:

هذه هي النقطة الأكثر أهمية في فهم المخاطر، قد لا تكون قيمة الخاتم بالنسبة للمهاجم في سعر الجهاز أو في مكوناته الإلكترونية، وإنما في البيانات التي يخزنها عن صاحبه مع مرور الوقت.

فإذا سجل الخاتم أن المستخدم ينام عادةً في الساعة الحادية عشرة ليلاً ويستيقظ في السادسة صباحاً، ثم يغادر منزله في السابعة والنصف ويعود في الرابعة عصراً، فإن هذه البيانات، عندما تتكرر لأشهر، تصبح أكثر من مجرد معلومات عن النوم والنشاط؛ كونها تمثل نمط سلوكي يمكن أن يكشف جانباً من حياته اليومية.

اما إذا اقترنت هذه البيانات بالموقع الجغرافي الموجود في الهاتف، فقد يصبح من الممكن ربط أوقات النشاط بأماكن معينة، وقد يكشف ذلك مكان العمل أو النادي الرياضي أو أماكن أخرى يزورها الشخص بصورة منتظمة، وبهذا فان المعلومة الواحدة قد تبدو غير مهمة، لكن تجميع المعلومات الصغيرة يمكن أن ينتج صورة موسعة ومتكاملة عن الشخص تجعله فريسة سهلة المنال لاي نشاط اجرامي ولو كان عابر للحدود، وهنا تكمن إحدى أخطر خصائص العصر الرقمي، هذا وتجدر الاشارة الى انه ليست كل المعلومات الخطرة معلومات سرية بالمعنى التقليدي، بل أحياناً تكون المعلومات المتفرقة هي التي تصبح شديدة الحساسية عندما تُجمع وتحلل معاً.

تجدر الاشارة الى أن الخاتم وحده ربما لايملك كل البيانات الشخصية المهمة لكنه  ربما يكون منفذ لثغرة اختراق لمنظومة الكترونية رقمية معلوماتية شبكية متكاملة مابين الخاتم والهاتف والشبكة السحابية ومن شان دمج البيانات المخزنه فيما بينها كالبيانات الصحية والبيانات الشخصية وبيانات الحركة والتنقل والتواجد وتوقيتاتها والنشاطات العامة مع بيانات تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي والنشاطات والاهتمامات  العامة والهوايات والمعلومات والاحداث والصور الشخصية والعائلية المنشورة فيها وتحليلها مجتمعة ومنفردة هنا تتحول بيانات النشاط اليومية إلى جزء من البصمة السلوكية الرقمية المفصلة للمستخدم، والتي يبحث عنها المتربص سيئ النية.

وبذلك فإن البيانات التي قد تبدو عادية بالنسبة للمستخدم العادي يمكن أن تكون أكثر حساسية بالنسبة لبعض الأشخاص بسبب طبيعة عملهم أو مسؤولياتهم أو علاقاتهم المهنية.

 

????️البيانات الصحية هي المعلومات التي تملك القيمة الأعلى والأكثر حساسية:

من أخطر أنواع البيانات التي يمكن أن تنتجها الأجهزة القابلة للارتداء البيانات المرتبطة بالصحة والنشاط البدني.

فقد يسجل الخاتم أنماط النوم ومعدل ضربات القلب والنشاط اليومي وغيرها من المؤشرات, فعندما تتراكم هذه البيانات على مدى أشهر، يمكن أن تصبح مصدراً لمعلومات شديدة الحساسية عن الشخص، والأمر الأكثر تعقيداً هو أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي أحياناً بعرض البيانات كما هي، بل يستطيع تحليلها واكتشاف أنماط وعلاقات بينها.

وهنا يظهر فرق مهم بين المعلومة التي يقدمها المستخدم والمعلومة التي يمكن استنتاجها عنه.

فالمستخدم قد لا يقدم للتطبيق شيئاً عن حالته الصحية، لكن تحليل مجموعة من البيانات المتراكمة قد ينتج مؤشرات أو استنتاجات لم يقدمها بصورة مباشرة.

وهذا يطرح سؤالاً قانونياً بالغ الأهمية: إذا وافق الشخص على جمع بياناته، فهل يعني ذلك تلقائياً أنه وافق على جميع الاستنتاجات التي يمكن أن تنتج عنها؟

ان الإجابة القانونية تختلف بحسب التشريع والعقد وطبيعة المعالجة، لكن السؤال نفسه أصبح من أهم تحديات حماية البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي.

 

????️سرقة الهوية تبدأ أحياناً من حساب بسيط:

قد يظن المستخدم أن حماية كلمة مرور الخاتم أو التطبيق أمر ثانوي، لكن الحساب المرتبط بالجهاز قد يكون أكثر أهمية من الجهاز نفسه.

فإذا استطاع مهاجم الوصول إلى الحساب، فقد يحصل على بيانات الخاتم أو معلومات شخصية مرتبطة به, وإذا كان المستخدم يستخدم كلمة المرور نفسها في خدمات أخرى، فقد تتحول المشكلة إلى سلسلة من الاختراقات.

وهنا لا يكون الخطر في سرقة بيانات النوم أو النشاط فقط، بل في إمكانية استخدام المعلومات المتاحة لبناء صورة عن المستخدم واستهدافه بهجمات أكثر إقناعاً، مثل رسائل التصيد والاحتيال والهندسة الاجتماعية، والابتزاز وربما الى القتل فكلما عرف المهاجم تفاصيل أكثر عن الشخص، تمكن من ارتكاب نشاطه الجرمي بسهولة ويسر.

 

????️لماذا يهتم المخترق بهذه المعلومات؟

تختلف قيمة المعلومات بحسب الهدف من الحصول عليها.

فالبريد الإلكتروني قد يستخدم في استهداف الحسابات، والموقع الجغرافي قد يكشف تحركات الشخص، وأنماط النوم والنشاط قد تكشف عاداته اليومية، والمعلومات الصحية قد تكون شديدة الحساسية، بينما يمكن أن تساعد المعلومات المتراكمة على انتحال شخصية المستخدم أو بناء هجمات هندسة اجتماعية أكثر إقناعاً، او ابتزاز وايذاء نفسي وربما إيذاء بدني يصل الى ازهاق الارواح والقتل، ولهذا يمكن القول إن القيمة الحقيقية للبيانات لا ترتبط بالمعلومة منفردة، وإنما بقدرتها على تكوين صورة متكاملة عن صاحبها.

فاسم الشخص وحده قد لا يعني الكثير، وموقعه وحده قد لا يعني الكثير، ونمط نومه وحده قد يبدو بسيطاً، لكن جمع الاسم والموقع والنشاط والنوم والبريد الإلكتروني والعلاقات الرقمية قد ينتج ملفاً شخصياً بالغ القيمة.

 

????️هل المشكلة في الخاتم أم في السحابة؟

في كثير من الحالات، قد لا يكون الجهاز نفسه هو الحلقة الأضعف، فالمعلومات تنتقل من الخاتم إلى الهاتف ثم إلى التطبيق، وقد تصل إلى خوادم سحابية تديرها الشركة المصنعة أو مزود الخدمة. وكل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى حماية مستقلة.

كما أن وجود البيانات في السحابة يعني أن المستخدم قد لا يعرف بصورة مباشرة أين تخزن معلوماته، وفي أية دولة، ومن يستطيع الوصول إليها، وما الجهات التي قد تعالجها نيابة عن مقدم الخدمة.

وهنا تنتقل المسألة من الأمن التقني إلى قانون حماية البيانات والخصوصية ونقل البيانات عبر الحدود.

 

????️البعد القانوني: من يملك البيانات ومن يحق له استخدامها؟

القضية القانونية لا تتعلق فقط بما إذا كانت البيانات قد تعرضت للاختراق، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، فعند استخدام خاتم ذكي، ينبغي أن تكون هناك إجابات واضحة عن أسئلة أساسية:

ما البيانات التي تجمع؟ ولماذا تجمع؟ وهل هناك بيانات يمكن تعطيل جمعها؟ وكيف تستخدم؟ وكم مدة الاحتفاظ بها؟ وهل تتم مشاركتها مع أطراف أخرى؟ وهل يستطيع المستخدم الوصول إليها أو حذفها؟

وتختلف الحماية القانونية من دولة إلى أخرى، كما تختلف طبيعة البيانات التي تعتبر صحية أو بيومترية أو شخصية، لكن الاتجاه العام في قوانين حماية البيانات الحديثة يتجه إلى منح هذه المعلومات مستوى متزايداً من الحماية عندما تكون شديدة الحساسية.

كما قد تنشأ مسؤولية قانونية عند حدوث تسريب نتيجة ضعف في الحماية، وبحسب القانون الواجب التطبيق، وطبيعة البيانات، والتزامات الشركة، والضرر الذي لحق بالمستخدم.

وتزداد التعقيدات عندما تكون الشركة في دولة، والمستخدم في دولة أخرى، والخوادم في دولة ثالثة، لأن ذلك يثير مسائل الاختصاص القضائي ونقل البيانات عبر الحدود.

 

????️الخطر الآخر: البيانات التي لا تعرف أنك أعطيتها.

من أخطر جوانب التكنولوجيا الحديثة أن المستخدم قد لا يقدم بعض المعلومات بصورة مباشرة، وإنما تسمح البيانات المتراكمة باستنتاجها.

فإذا كانت هناك بيانات عن النوم والنشاط والحركة والموقع، فقد يستطيع نظام تحليلي اكتشاف أنماط معينة لم يذكرها المستخدم بنفسه.

وهذا يطرح مفهوم البيانات المستنتجة، وهي المعلومات التي يتم إنتاجها من تحليل بيانات أخرى.

ومن الناحية القانونية والأخلاقية، يثير ذلك سؤالاً مهماً: هل ينبغي أن تكون للمستخدم حقوق تجاه الاستنتاجات التي تنتجها خوارزميات الذكاء الاصطناعي عنه، وليس فقط تجاه البيانات التي أدخلها بنفسه؟

إنها مسألة مرشحة لأن تصبح أكثر أهمية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الأجهزة القابلة للارتداء.

 

????️كيف يحمي المستخدم نفسه؟

الحماية تبدأ قبل شراء جهاز الارتداء الذكية ومن ضمنها الخاتم، فمن المهم اختيار جهاز من شركة موثقة لديها سجل واضح في الأمن والخصوصية، وقراءة سياسة الخصوصية لمعرفة نوع البيانات التي يجمعها الجهاز وكيفية استخدامها،

بعد ذلك ينبغي استخدام كلمة مرور قوية ومركبة للحساب، وتفعيل المصادقة متعددة المراحل عندما تكون متاحة، وتحديث التطبيقات وبرمجيات الجهاز بصورة منتظمة، وعدم منح التطبيق صلاحيات واسعة ومستمرة.

كما ينبغي مراجعة إعدادات الموقع والخصوصية بصورة دورية، وتقليل مشاركة البيانات إلى الحد الضروري، ومعرفة آليات حذف البيانات أو تنزيل نسخة منها إذا كانت الخدمة توفر هذه الخيارات.

ومن المهم أيضاً عدم اعتبار نتائج الخاتم واجهزة الارتداء الذكية الاخرى تشخيصاً طبياً دقيقا ونهائياً؛ فالأجهزة الذكية من صنعها فهو أذكى منها، ربما توفر مؤشرات مفيدة، لكنها لا تحل محل الطبيب أو الفحوص الطبية المتخصصة.

وفي الختام ومن منظورنا التقني والقانوني يمكننا القول، ان الخاتم الذكي يمثل نموذجاً واضحاً للتحول الذي أحدثته إنترنت الأشياء في حياتنا، فقد أصبح من الممكن لجهاز صغير يوضع في الإصبع أن يجمع معلومات مستمرة عن النوم والنشاط والحركة وبعض المؤشرات الحيوية، ثم يربطها بتطبيقات وهواتف وخدمات سحابية وأنظمة تحليل ذكية.

لكن التطور التقني يفرض مسؤولية تكاملية ومتقابلة على المستخدم والشركات والمشرّعين.

فالمستخدم يحتاج إلى أن يدرك أن ارتداء الجهاز يعني في الوقت نفسه إنتاج بيانات شخصية بصورة مستمرة، والشركات مطالبة بتطبيق اقصى متطلبات الأمن والخصوصية بدءا" من مرحلة تصميم المنتج ولغاية تسويقه وبيعه وانتهاء باستخدامه المتكرر ، وليس بعد وقوع الحادث.

أما الإطار القانوني والتشريعي، فيحتاج إلى مواكبة التطور السريع في الية جمع البيانات الشخصية ولاسيما الصحية والبيومترية والاستنتاجات التي تنتجها الخوارزميات.

وعليه فان النقطة الأهم والابرز في مقالنا هذا والتي ينبغي أن يتذكرها مستخدموا أجهزة الارتداء الذكية بصورة عامة والخاتم الذكي بصورة خاصة هي:

ان المخترق لا يبحث عن الجهاز الذكي… بل يبحث عن ما يملكه من بيانات من شأنها ان تولد معلومات شخصية مهمة وحساسة عن صاحبها، وبهذا فإن الأسئلة التي ينبغي أن تسبق شراء أي جهاز من اجهزة الارتداء الذكية هي: ماذا يستطيع أن يقدمه لي من خدمات؟ ماذا يجب أن يعرفه عني من بيانات، وأين تذهب هذه المعلومات، ومن يملك حق الوصول إليها؟

كفانا الله وإياكم مكر الماكرين وشر الحاقدين والمتربصين وحفظكم الله وحماكم.


مشاهدات 23
الكاتب اثير هلال الدليمي
أضيف 2026/11/07 - 1:34 AM
آخر تحديث 2026/11/07 - 1:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 13080 الكلي 16663614
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير