التعميم من النكتة إلى المقبرة
كفاح محمود
حين يختلف شخصٌ مع آخر من قريةٍ أو مدينة، ثم يعود ليصف أهلها جميعاً بصفةٍ سلبية، فإنه لا يكشف شيئاً عن تلك القرية أو المدينة، بل يكشف ضيقَ أفقه وعجزه عن التمييز، فكيف يتحول خلافٌ شخصي إلى حكمٍ على آلاف البشر؟ وبأيّ منطقٍ يصير سلوكُ فردٍ شهادةً على طبيعة مجتمعٍ بأكمله؟
ولا تقف هذه العقلية عند حدود الجغرافيا؛ إنها تمتد إلى القوميات والأديان والمذاهب، فتصبّ الناس في قوالب مسبقة الصنع، وتستبدل بمعرفة الإنسان حكماً على هويته.
وواقعنا العراقي حافلٌ بالشواهد، فالناصرية، مدينة الشعراء والأدباء والمفكرين، نُعتت بـ»الشجرة الخبيثة»، والموصل، من أعرق مدن العراق تاريخاً وثقافة، اختُصر أهلها في صفة البخل، ويُرمى الشيعة بأنهم «صفويون» تابعون لإيران، ويُرمى السنّة بأنهم بعثيون أو إرهابيون، ويُتّهم الكورد بأنهم انفصاليون لا يُؤتمن ولاؤهم، فضلاً عن نكاتٍ تصوّرهم سذّجاً. ولم ينجُ المسيحيون والتركمان والإيزيديون من صورٍ نمطية تطعن في انتمائهم أو في معتقدهم، حتى بدت خريطة البلاد خريطةَ تهمٍ لا خريطةَ شعوب.
والمشكلة أن هذه الأحكام لا تُقال دائماً بقصد الإساءة؛ فكثيراً ما تتسلل عبر الأمثال والنكات والتعليقات العابرة، ثم تتكرر حتى تستقرّ قناعاتٍ يتوارثها الأبناء عن الآباء من غير أن يسألوا عن أصلها، وهنا خطورتها: فالكلمة التي تُضحك اليوم تمهّد غداً لما هو أبعد من الضحك.
ولسنا في حاجةٍ إلى افتراض ذلك، فتاريخنا القريب يشهد به، قبل أن تبدأ حملات الأنفال، كان الإعلام الرسمي قد جرّد الكورد من صفتهم الإنسانية، فصاروا «عصاةً» و»مخرّبين»، ولم يكن ذلك وصفاً عابراً، كان تمهيداً لتسوية قراهم بالأرض، وفي سنوات الاقتتال الطائفي بعد 2006، صار الاسم في البطاقة الشخصية حكماً بالإعدام؛ يُقتل صاحبه لأن جماعته موصومة، لا لشيءٍ اقترفه.
وفي سنجار صيف 2014، لم يحتاج تنظيم داعش إلى اختراع تهمةٍ جديدة؛ فقد وجد صفة «عبدة الشيطان» مستقرّةً منذ عقود في ألسنة الناس، فبنى عليها فتوى القتل والسبي، هكذا يمضي التعميم: من النكتة إلى التهمة، ومن التهمة إلى المقبرة، ولا يحدث هذا بلا فاعل؛ فثمة دائماً من يستثمر الصورة النمطية ويغذّيها، فالسياسي العاجز عن تقديم برنامجٍ يقدّم لجمهوره عدواً بدلاً منه، يخيفه من «الآخر» ليضمن صوته، ويحوّل الخوف إلى رأسمالٍ انتخابي، ولذلك لم يكن التعميم في العراق خللاً عفوياً في التفكير فحسب، وإنما أداةً من أدوات الحكم والتعبئة.
وقد جاءت وسائل التواصل لتمنح هذه الصور النمطية سرعةً لم تعرفها من قبل؛ فالنكتة التي كانت تدور في مقهى أو مجلس صارت تبلغ الملايين في ساعة، ومقطعٌ مجتزأ لفردٍ غاضب يكفي لتأليب جمهورٍ على مدينةٍ أو مكوّنٍ بأكمله، وفي هذا الفضاء يتقدّم الأعلى صوتاً على الأصدق قولاً، ويُكافأ التحريض بالانتشار، بينما يمرّ التمييز الهادئ بين الفرد وجماعته بلا صدى.
والأدهى أن التعميم لا يظلم الآخرين وحدهم، فهو يحرم أصحابه من رؤية الحقيقة أيضاً، فمن قرّر مسبقاً أن أهل مدينةٍ بخلاء، أو أن جماعةً بأكملها نسخةٌ واحدة، أغلق أبواب المعرفة على نفسه، وكفّ عن اكتشاف التنوع الذي يصنع ثراء المجتمعات، إنه يرى الناس كما رسمتهم أحكامه، لا كما هم.
وفي بلدٍ متعدد القوميات والأديان والمذاهب كالعراق، يغدو التعميم عائقاً أمام بناء الثقة والمواطنة المشتركة، فكيف نتحدث عن التعايش ونحن نُلصق ببعضنا أوصافاً معلّبة؟ وكيف نبني وطناً يتسع للجميع ووعينا يضيق بالاختلاف؟ إن المواطنة لا تستقيم مع عقليةٍ تحاكم الإنسان بانتمائه قبل أفعاله، وتُحمّل الجماعات أوزار أفرادها.
ليس المطلوب تعطيل النقد أو تجميل الواقع، بل تحرير النقد من الظلم، فمن حقنا أن ننتقد سلوكاً، وندين جريمة، ونكشف فساداً، لكن ليس من حقنا أن نحوّل ذلك إلى إدانةٍ جماعية، فلا شعب يحتكر الفضيلة أو الرذيلة، ولا مدينة تختصرها حكاية، ولا مكوّن يتطابق أفراده في المواقف والسلوك.
العقل الواعي يميّز ويحلّل ويحتكم إلى الوقائع، أما العقل الكسول فيلوذ بالتصنيف الجاهز ليعفي نفسه من عناء التفكير، ومن يعجز عن التمييز بين الفرد وجماعته، وبين حادثةٍ وتاريخ مدينة، لا يمارس النقد، وإنما يمارس الجهل في أبسط صوره، ولهذا كان التعميم، مهما تزيّا بثوب الصراحة، لغةَ الجهلاء.