التأويل مفتاح كشف أسرار النص الشعري
عادل الشرقي
إن الأسلوب هو المزاج الذي يربط الكاتب بلغته ، وإن النظام الإجرائي هو التعبير عن ما يمتلكهُ من طاقة كامنة فيه ، وإن اللغة بحد ذاتها ، تعتبر طاهرة نقية من الشوائب عندما نتجلى في استخدامها بعيداً عن تشويه معانيها فتفقد بياضها ، واللغة كما يصفها الكاتب الفرنسي ، رولان بارت ، تحتوي داخلها هسهسة تدعونا للمزيد من الإصغاء لها لمعرفة تشظياتها وانفجاراتها داخل نصوص المبدعين ، وهو لب ما نسعى إليه هنا لإثارة الجدل بيننا للخروج بنتائج علمية ومعرفية ونقدية فيها الكثير من الإضافة والتجديد ، لتحقيق فكرة النهوض بالجمال والتحليق في أجوائه وفضاءاته. إننا نعيش نعيش حالةً من الحضور في عالمٍ مُتناقضٍ يزخرُ بالمتغيرات والتحولات الآنيتين اللتين لا تستقران على حالتيهما برهةً واحدة ، إذ سرعان ما تتعرضان للزوال أيضاً ، ليحل محلهما شكلٌ آخرُ من المتغيرات المتناقضة والقابلة للزوال هي الأخرى ، وإذا كان البعضُ من الشعراء قديما ، يستدعي مُنجمين يفككون له رموز ما يحدث في الحياة ، فإن الشاعر المبدع الحقيقي اليوم ، يمتلك مُنجِّمهُ الخاصُّ الكامنٌ في ثرائهِ اللغوي والمعرفي وأدواته وقدرته البلاغية والإبداعية التي تُجدد نفسها بنفسها ، فهو عرّافٌ يستطيعُ تفكيك أسرار الفضاء المحيط به ، من خلال قواهُ الرُّوحية ، فمخيلته قادرة على طرح الكثير من الأسئلة الغامضة والإجابة عنها في آن واحد.
إنني أؤيد فكرة إثارة المزيد من الأفكار التي تتعلق باللغة واستخداماتها البلاغية والنحوية والمجازية والإبداعية ، ودخول محاور نقاشية وجدلية نبلور ونجوهر
من خلالهما أفكارنا الجديدة
فإن جَسَدَ الشاعر مُعرضٌ للشيخوخة
لكن روحهُ لا يمكنُ أن تشيخ ، حتى
النص الشعري فإن الكلمات فيه تتبرعم فيها أغصان المعاني ، غير أن الكلمات أيضا ، قد تتعرض للجوع والعطش ، ولابد عندها أن تُروى بالمعنى ، واللغة بحد ذاتها تحتاج إلى التكثيف والاختزال أيضا ، لا أن تُترك عارية منه ، كما أنها تحتاج إلى التفجير أيضا ، ولابد للشاعر أن يُمارس كلَّ يوم رياضتهُ الرُّوحية في الكتابة والابتكار والتحديث والتجديد ، وقد يظن البعضُ أن القصائد تتناسلُ فيها الكلماتُ فتنجب الصور المتلاحقة والمتدفقة بنسيج واحد ، في شرايين اللغة وفي نسغها ، وهو أمر قابلٌ للجدل النقدي والبنيوي ، فاللغة تكاد تكون خرساء غير مسموعة دون تحريكها كما تُحرك المياهُ الراكدة ، ويستطيع المبدع أن يُحدث فيها المزيد من الموسيقى والرنين ، من خلال تشكيلها البلاغي والسيميولوجي الذي يسعى لاستقراء الدلائل من خلال وعي بنيوي للوقوف على المعنى بشكل دقيق وهو يسعى للوصول إلى مقاربة بين ما هو فكري وما هو دلالي ، فيكشف باطن النص وظاهره ، وهنالك ما هو مرئي ومُعلن ومُختبيء داخل النص ، ويحتاج إلى الكشف عن مضمونه بوسائل حسية ورؤى فلسفية توصلنا إلى كشف الفضاء الداخلي للمضمون من خلال الحدس والتأمل ، فالاختزال مثلا ، هو تكثيف شديد للصورة الشعرية ، مما يدعو الناقد والمتلقي أن يستخدما مصباحهما التأويلي ، لكشف ما هو معتم داخل النص الشعري ، وصولا إلى تحقيق المتعة واللذة من قراءة النص. إن التأويل يكشف الكثير مما هو مُختبيء داخل النص الشعري ويقول محيي الدين ابن عربي في هذا المعنى: ما في الكون كلامٌ لا يتأول. إن النص يطرح العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى الإجابة عنها ، فالتأويل يمثل عملية تنقيب وتفتيش في جيوب النص وفي مخابئه ، من معانيَ وأفكار ودلالات ورموز ، وقد يسأل سائل : هل مطلوب من الشاعر أن يتحدث عن النص الذي يكتبه بالشكل الذي يُبين فيه كلَّ الأسرار الفنية والجمالية الباطنية الكامنة فيه ؟ ، أم هو أنه معفيٌّ منها وتنحصر المهمة بالناقد ، فهو الذي يتكفل بالقراءة والتحليل والكشف والتنقيب ، عبر منهجه النقدي الذي يستخدمه أثناء قراءته للنص ، ومن خلال قدرته التأويلية التي يمتلكها في كشف ملامح ذلك النص ؟، وقد سئل المتنبي بمثل هذا السؤال ذات يوم ، وطلب منه الحديث عن ملامح نصه الشعري وإمكانية تفسيره له ، فاعتذر عن الإجابة رغم اعتداده بنفسه وبشعره حيث قال : ( إسألوا ابن جنّي فهو أدرى بشعري مني ) .سيظهر النص الذي تقوم بنسخه هنا تلقائيًايمكنك عرض المقاطع كعمود واحد - ما عليك سوى الضغط على أيقونة الإعدادات أعلاهالتأويلُ مفتاحُ كشفِ أسرار النص الشعري