الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بروفة المواطنة المتساوية في فلسطين الكبرى

← بواسطة azzaman

بروفة المواطنة المتساوية في فلسطين الكبرى

محمد عبد الجبار الشبوط

 

يضع احتمال تشكيل حكومة إسرائيلية ائتلافية بمشاركة الأحزاب العربية ما يسمى بالديمقراطية الإسرائيلية أمام اختبار يكشف حقيقة الأساس الذي تقوم عليه: هل المواطنون متساوون في حقهم في إنتاج السلطة والمشاركة في ممارستها، أم أن الانتماء القومي يمنح بعضهم حقًا في الحكم لا يتمتع به الآخرون؟ ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى حكومة كهذه بوصفها بروفة محدودة لفكرة الشراكة السياسية على أساس المواطنة المتساوية، وهي الفكرة التي يقوم عليها تصور الدولة الواحدة لكل مواطنيها في فلسطين الكبرى.

لقد أظهرت النتائج الانتخابية امتلاك الأحزاب العربية تسعة عشر مقعدًا، مقابل ثمانية وأربعين مقعدًا للأحزاب اليهودية المعارضة لنتنياهو، بما يجعل مجموع الطرفين سبعة وستين مقعدًا في برلمان يتألف من مئة وعشرين مقعدًا.

قوى معارضة

وهذه الأرقام تمنح المشاركة العربية قدرة حاسمة على تشكيل أغلبية بديلة، وتضع القوى المعارضة أمام استحقاق الاعتراف بالمواطن العربي شريكًا في تحديد من يحكم وفي صياغة السياسات العامة.

هنا يظهر التناقض الذي يجعلني أصف الديمقراطية الإسرائيلية بأنها ديمقراطية مزعومة؛ إذ تُفرَّغ المساواة من مضمونها حين يُسمح للعربي بأن يصوّت، ثم تُعامل النتائج المترتبة على تصويته بوصفها مشكلة ينبغي الالتفاف عليها. فحق الانتخاب يتضمن حق الناخب في أن يسهم صوته في تكوين الأغلبية، وفي تمكين ممثليه من ممارسة السلطة والرقابة عليها. وحين يُقبل الصوت العربي في صندوق الاقتراع، ثم يُستبعد عند تشكيل الحكومة بسبب هويته القومية، يصبح الاقتراع إجراءً يسمح بالمشاركة مع إبقاء الامتياز السياسي في يد جماعة محددة.

إن معنى المواطنة المتساوية يظهر عند هذه النقطة بالذات، حين تصبح أصوات جماعة كانت مهمشة ضرورية لإنتاج السلطة. فالقبول بحقوق الآخرين يكون أكثر دلالة عندما يترتب عليه تقاسم النفوذ والموارد والمسؤولية، وعندما يقتضي الاعتراف بأن الحكومة قد تقوم بإرادة مواطنين يختلفون في قومياتهم وأديانهم ورواياتهم التاريخية. أما حصر شرعية الحكم في أغلبية يهودية، حتى مع وجود أغلبية برلمانية أوسع يشارك فيها العرب، فيعني أن معيار الانتماء القومي يتقدم على معيار المواطنة.

لهذا تكتسب الحكومة الائتلافية المحتملة قيمة تتجاوز الحسابات المتعلقة ببقاء نتنياهو أو خروجه من السلطة؛ إذ تستطيع أن تصبح مجالًا عمليًا لاختبار قدرة العرب واليهود على إدارة اختلافاتهم داخل مؤسسات مشتركة. ففي مثل هذه التجربة، يجلس ممثلو المواطنين إلى طاولة واحدة، ويتفاوضون على برنامج حكومي، ويتحملون مسؤولية قراراته، ويتعلمون تحويل الخلاف إلى تسويات قابلة للتطبيق والمراجعة. ومن خلال هذه الممارسة يمكن أن تتكون خبرة سياسية تعترف بأن الاختلاف القومي والديني قابل للانتظام ضمن شراكة تحمي حقوق الجميع.

أفكار سياسية

وهذا هو المقصود بالبروفة المحدودة: اختبار مبدأ الشراكة في ممارسة الحكم ضمن نطاق التجربة المتاح. فالأفكار السياسية الكبرى تكتسب قوة إضافية حين يجد الناس بعض عناصرها متحققًا في حياتهم، وحين يكتشفون أن التعاون بين المختلفين يستطيع إنتاج منفعة مشتركة، وأن الاعتراف بحقوق الشريك يوفر أساسًا أكثر استقرارًا للعلاقة معه. وفي هذا المعنى، تصبح المشاركة العربية فرصة لاختبار أحد الأسس الإنسانية والسياسية للدولة الواحدة لكل مواطنيها في فلسطين الكبرى: إمكان اجتماع هويات متعددة في إطار مواطنة متساوية.

وتقتضي هذه الشراكة الاعتراف بأن العربي يدخل الحياة السياسية حاملًا هويته الفلسطينية، مثلما يدخل اليهودي حاملًا هويته اليهودية، وأن المؤسسات المشتركة تتولى تنظيم العلاقة بينهما على أساس الحقوق والواجبات والقواعد المتفق عليها. فالمواطنة تكتسب معناها من قدرتها على جمع المختلفين، وحماية حقهم في التعبير عن أنفسهم، وإتاحة مشاركتهم في تقرير شؤونهم العامة. ويصبح الانتماء إلى الدولة علاقة حقوقية وسياسية تتسع للهويات، ويغدو تنوع المواطنين جزءًا من تكوين الجماعة السياسية.

كما أن قيمة المشاركة تُقاس بقدرتها على التأثير في القرار. فالوزير العربي الذي يُطلب منه أن يمنح الحكومة شرعيتها البرلمانية ينبغي أن يتمتع بحق فعلي في مناقشة برنامجها ومساءلة سياساتها وتعديل أولوياتها، وأن يكون اعتراضه جزءًا مشروعًا من العمل الحكومي. ويشمل ذلك القضايا التي تمس حياة المواطنين العرب وكرامتهم وأمنهم، فضلًا عن القضايا العامة التي يتحمل كل شريك في السلطة مسؤولية الموقف منها. وبقدر ما تتسع هذه القدرة على التأثير، تقترب التجربة من الشراكة التي تقتضيها المواطنة المتساوية.

إن الحساسية التي تثيرها فكرة الاعتماد على النواب العرب تكشف عمق المأزق. فحين يُنظر إلى التعاون معهم بوصفه إخلالًا بالتضامن اليهودي، تصبح الحدود القومية أقوى من الرابطة السياسية بين المواطنين، ويُطلب من اليهودي أن يقدم هويته القومية على اختياره الديمقراطي، فيما يُطلب من العربي أن يقبل بموقع أدنى مهما بلغ حجم تمثيله. وهكذا تتحول الديمقراطية إلى امتياز جماعي تحرسه هوية الأغلبية، وتبقى مواطنة الآخرين مقيدة بالسقف الذي تسمح به.

من منظور الفلسفة الحضارية، تتيح الشراكة المتساوية توجيه التنوع نحو التعاون في إعمار المجال المشترك، وحماية الإنسان، وتحسين شروط حياته. فالعربي واليهودي يستطيعان الاختلاف حول قضايا كثيرة، مع الاحتكام إلى مؤسسات تضمن لكل منهما الكرامة والحرية والعدالة والمشاركة. وتتأسس قابلية العيش المشترك على بناء هذه الضمانات وترسيخ الثقة بها من خلال الممارسة اليومية.

ولهذا أرى في احتمال تشكيل حكومة ائتلافية بمشاركة عربية بروفة محدودة ذات دلالة عميقة؛ لأنها تضع فكرة المواطنة المتساوية أمام امتحان السلطة الفعلية، وتكشف مدى استعداد المجتمع السياسي الإسرائيلي لقبول نتائجها. والسؤال الذي تواجهه «الديمقراطية الإسرائيلية» المزعومة هو: هل تقبل أن يكون العربي شريكًا متساويًا حين يمنحه تصويت المواطنين القدرة على المشاركة في الحكم؟ إن الإجابة العملية عن هذا السؤال ستبين مقدار ما تستطيع هذه التجربة أن تقدمه لفكرة الشراكة السياسية بين العرب واليهود، ولأفق الدولة الواحدة لكل مواطنيها في فلسطين الكبرى.

 

 


مشاهدات 35
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/11/07 - 1:58 AM
آخر تحديث 2026/11/07 - 2:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 213 الشهر 13132 الكلي 16663666
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير