الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فؤاد سالم خامة صوتية متميّزة.. حين يغنّي الوطن بصوت المنفى ومرارة الإقصاء

← بواسطة azzaman

فؤاد سالم خامة صوتية متميّزة.. حين يغنّي الوطن بصوت المنفى ومرارة الإقصاء

بغداد - نبيل عبد الأمير الربيعي

لم يكن فؤاد سالم مطرباً عراقياً عابراً في سجل الأغنية، ولا صوتاً اكتسب شهرته من جمال النبرة وحده؛ فقد كان واحداً من أولئك الفنانين الذين امتزجت تجربتهم الفنية بمحنة الإنسان العراقي، فغنّى للحب والناس والوطن، وحمل في صوته وجع الغربة ومرارة الإقصاء، حتى بدا وكأن أغانيه صفحات من سيرة بلدٍ لم يتصالح طويلاً مع أبنائه المبدعين.

ولد فالح حسن بريج، المعروف فنياً باسم فؤاد سالم، في قضاء التنومة بمحافظة البصرة عام 1945، وبدأ رحلته الغنائية في ستينيات القرن الماضي، متأثراً بمدرسة المطرب ناظم الغزالي، لكنه لم يبق أسير التأثر، بل شق طريقه الخاص، مستفيداً مـــن قدرته علــــى الجمــــــــــــع بين شجن الغناء الريفي ورهافة الأداء البغدادي، وبين خصوصية المفردة العراقية وسعة التعبير العاطفي.

لم يكن صوته مجرد أداة للطرب؛ كان يحمل شيئاً من طين البصرة ومائها، ومن ذاكرة الناس البسطاء الذين وجدوا في الأغنية مساحة للتعبير عن أفراحهم وأحزانهم. لذلك وصلت أعماله إلى جمهور متنوع، من العامل والطالب إلى المثقف والعاشق، لأن الغناء لديه لم يكن استعراضاً صوتياً، بل علاقة وجدانية بين الفنان والناس.

وقد أسهمت مشاركته في الأعمال الغنائية المسرحية، ومنها (بيادر الخير) و(المطرقة)، في ترسيخ حضوره الفني، فيما منحته أغانيه العاطفية والوطنية مكانة مميزة بين مطربي جيله. وفي أعمال مثل (مشكورة) و(ردتك تمر ضيف) و(على درب اليمرون)، تتجلى قدرة فؤاد سالم على تحويل التجربة الشخصية إلى إحساس مشترك، بحيث يجد المستمع في صوته شيئاً من حكايته الخاصة.

لكن قراءة تجربة فؤاد سالم لا تكتمل عند حدود الفن، لأن حياته اصطدمت بواقع سياسي ضيّق المساحة المتاحة للفنان المستقل. فقد تعرض للمضايقات، وفصل من معهد الفنون الجميلة، ومنع من الغناء في الأماكن العامة ومن الظهور في الإذاعة والتلفزيون، وفق ما أوردته تقارير صحفية عن سيرته. وحين غادر العراق، لم يكن يترك مكاناً جغرافياً فحسب؛ كان يبتعد عن جمهور أحب صوته، وعن مدينة حملت بداياته، وعن وطن ظل حاضراً في وجدانه رغم المسافات.

تنقّل في محطات عربية عدة، وكانت الكويت إحدى المحطات المهمة في مسيرته، كما عاش في بلدان أخرى قبل أن يستقر في دمشق. غير أن المنفى، على قسوته، لم يقطع صلته بالأغنية العراقية؛ بل أضاف إليها طبقة جديدة من الحنين، وأصبح الوطن في كثير من أدائه أبعد من مكان على الخريطة، وأقرب إلى ذاكرة لا يستطيع الغياب محوها. ولعل غناءه قصيدة بدر شاكر السياب (غريب على الخليج)، وقصيدة محمد مهدي الجواهري (يا دجلة الخير)، يكشفان جانباً من هذا الارتباط بين الصوت والمنفى. فالشعر هنا لا يُؤدى بوصفه نصاً جميلاً فحسب، بل يصبح تجربة إنسانية يلتقي فيها حنين الشاعر بحنين المغني، وتتداخل غربة الفرد مع غربة الوطن. وفي مثل هذه الأعمال، لم يكن فؤاد سالم يؤدي الكلمات من خارجهــــــا، كان يمنحهـــــــــا من تجربته ما يجعلها أقرب إلى الاعتراف الشخصي. مع ذلك، فإن اختزال مسيرته في الموقف السياسي وحده سيكون ظلماً لفنه. فالقيمة الحقيقية لفؤاد سالم تكمن في اجتماع عناصـــــــر عدة: خامة صوتية مميزة، ووعي بالمفردة، وقدرة على أداء اللون العراقي بتنوعاته، وارتباط وجداني بقضايا الناس. لم يكن الموقف بديلاً من الموهبة، كما لم تكن الموهبة منفصلة عن الإنسان الذي يقف وراءها؛ بل إن التجربة بكل ما فيها من نجاح وانكسار أسهمت في تشكيل صوته وهويته الفنية.

عاد فؤاد سالم إلى العراق بعد سقوط النظام السابق عام 2003، حاملاً أملاً في استعادة صلته بوطنه بعد غياب طويل. وكانت عودته حدثاً ذا دلالة خاصة؛ فالفنان الذي أبعدته الظروف السياسية وجد الباب مفتوحاً من جديد، لكن العودة لم تكن قادرة على استرداد السنوات التي ضاعت، ولا على محو آثار المنفى والمرض. وبعد معاناة صحية طويلة، توفي في دمشق في 21 كانون الأول عام 2013، بعيداً عن مدينته الأولى البصرة، فيما بقي صوته حاضراً في ذاكرة محبيه.

إن رحيله يفتح سؤالاً يتجاوز سيرة فنان بعينه: كيف يمكن لبلد أن يحفظ مبدعيه، وأن يصون ذاكرتهم من الإهمال، وأن يمنحهم في حياتهم ما يستحقونه من رعاية واعتراف؟ فليس من الإنصاف أن يتحول الفنان إلى رمز وطني بعد رحيله، فيما يُترك في حياته يصارع الغربة والمرض وضيق العيش. وتكريم المبدعين لا ينبغي أن يقتصر على المراثي والاحتفاءات المتأخرة، بل يبدأ ببيئة تحمي حرية التعبير، وتقدّر الاختلاف، وتفصل بين الفن واشتراطات الولاء السياسي.

من هنا تبرز أهمية الجهود التوثيقية التي تعيد قراءة تجربة فؤاد سالم وتجمع تفاصيلها المتناثرة. وفي هذا السياق، صدر للصحفي والكاتب زيدان الربيعي كتابه الموسوم (فؤاد سالم.. صوت الوطن والناس)، متناولاً محطات من حياته الفنية والشخصية، ومستنداً إلى لقاءات ووثائق وصور وشهادات لعدد من الفنانين والملحنين والشعراء والنقاد. وتكتسب مثل هذه الأعمال قيمتها من أنها تنقل سيرة الفنان من الذاكرة الشفوية المعرّضة للنسيان إلى مادة مكتوبة يستطيع الباحثون والأجيال الجديدة الرجوع إليها.

إن توثيق حياة فؤاد سالم ليس استعادة لسيرة مطرب فحسب، بل محاولة لفهم جانب من تاريخ العراق الثقافي، حيث تداخل الإبداع مع التحولات السياسية والاجتماعية، ودفع بعض الفنانين أثماناً باهظة بسبب خياراتهم ومواقفهم. وهو أيضاً دعوة إلى إنصاف الذاكرة الفنية العراقية، وعدم اختزالها في الأسماء الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام، فهناك أصوات صنعت وجدان الناس وظلت تستحق قراءة أعمق مما نالته.

رحل فؤاد سالم، لكن أغانيه لم ترحل. بقيت في الذاكرة الشعبية، وفي البيوت التي اعتادت أن تستعيد بها زمناً مضى، وفي قلوب الذين وجدوا في صوته تعبيراً عن حبهم وحنينهم وأوجاعهم. وربما كانت هذه هي العلامة الأصدق على خلود الفنان: ألا يبقى اسمه في سجل المناسبات وحده، بل يستمر صوته جزءاً من حياة الناس.

 


مشاهدات 41
أضيف 2026/11/07 - 1:14 AM
آخر تحديث 2026/11/07 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 13080 الكلي 16663614
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير