الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الوطن او العقيدة: معادلة الانتماء والوطنية والمواطنة الصالحة.. جواب الفنانة آلاء حسين أنموذجاً

← بواسطة azzaman

الوطن او العقيدة: معادلة الانتماء والوطنية والمواطنة الصالحة.. جواب الفنانة آلاء حسين أنموذجاً

محمد فخري المولى  

 

لقد أثار الحوار التلفزيوني في برنامج

بدا عادياً طرح سؤال بدا عادياً أيضاً

عاصفة من النقاشات الجماهيرية

عندما سألت الإعلامية منى سامي ضيفتها الفنانة آلاء حسبن

الوطن أم العقيدة

فكان رد الفعل لحظياً وغاضباً

مضطرة أجاوب... فانفجرت مواقع التواصل بما يصل لمد جارف من التعليقات والتحليل وطبعا التشكيك والتخوين لان نظرية المؤامرة حاضرة.

 

لكن... وما أدراك ما لكن

سؤال الوطن أم العقيدة ينطلق بنا لسؤل ادق واعمق

هل العقيدة والوطن: تعارضٌ حتمي أم علاقة قابلة للتوازن أم تكامل؟

البداية عند... هل نحن أمام معادلة تتطلب الاختيار بين الانتماء الوطني والانتماء الديني أو حتى الفكري

أم نحن أمام أزمة في فهم الوطنية والمواطنة

هذا التضاد تجاوزته اغلب الدول المتقدمة التي نظرت للمواطنة الصالحة كطوق نجاة لاستمرارها وتطورها

التضاد موجود ايضا بعدد من الدول الاسلامية والعربية والخليجية لكنه تم معالجته حيث يجتمع المسلم مع المسيحي بل حتى مع اليهودي ويصلي الشيعي جنبا الى جنب مع السني بروح مسالمة ومحبة.

 

الرؤية الثقافية هي المشهد الاهم

حين نرتطم الرؤية ىالمشهد الثقافي والإعلامي بأسئلة الهوية الكبرى غالباً ما تنجرف الردود لانحراف الفهم في اتجاهين عقيمين:

إما الاحتفاء العاطفي المفرط المتصلب

أو الهجوم الانطباعي المتعصب الخشن

غير أن القضايا التي تمس جوهر الوجود الجمعي والاجتماعي الثقافي لا تُفكك بالشعارات بل تستدعي تحليلاً بنيويّاً يعيد وضع الظاهرة تحت مجهر السوسيولوجيا وتاريخ الأفكار

النظر إلى اللقاء بوصفه مجرد مادة حوارية عابرة يعني إغفاله كعرض حيّ لصراع الهويات المأزومة في المنطقة

إن السؤال الذي طرح بحدة

الوطن أم العقيدة

ليس ترفاً فكرياً بل هو اختبار حقيقي لمعادلة الانتماء والوطنية والمواطنة الصالحة في مجتمعات طالما أثقلتها شروخ المكونات والثنائيات الحادة  وارهاصات الحاضر المتصلة بالماضي.

 

الثنائية المصطنعة

الخطاب الإعلامي السائد في العراق

ما بعد ٢٠٠٣ اعتاد العمل بمنطق الانطباع والتوصية... انطباع سريع:

فلان وطني، فلان عقائدي ثم توصية أخلاقية كونوا وطنيين أو كونوا ملتزمين

هذا الخطاب مريح لكنه غير منتج

سؤال الوطن أم العقيدة هو مثال نموذجي للثنائية المصطنعة

لإنه يفترض أن الوطن كيان مادي بارد بلا روح وأن العقيدة كيان غيبي مجرد بلا أرض والحقيقة السوسيولوجية الاجتماعية

أن المجتمعات لا تعيش بهذا الفصل

الوطن ليس خريطة وحدوداً فقط

بل هو عقد اجتماعي ومؤسسات وذاكرة مشتركة ومصالح متقاطعة والعقيدة ليست طقساً فردياً فقط

بل هي منظومة قيم ومعنى ورأسمال رمزي يمنح الفعل الاجتماعي مبرره الأخلاقي كما يقول دوركايم وفصل أحدهما عن الآخر هو فصل للجسد عن الروح.

 

جواب من المفاضلة إلى التكامل

ما أثار الانتباه في اللقاء أن آلاء حسين

لم تقع في الفخ إجابتها التي تناقلها المتابعون كانت بليغة في بساطتها: عندما احتاج الوطن أنقذته العقيدة فكل منهما عين

هذا الجواب ينقلنا من منطق المفاضلة إلى منطق التكامل الوظيفي

ففي اللحظات التي انهارت فيها مؤسسات الدولة وتآكل فيها العقد الوطني كانت العقيدة بمعناها الاجتماعي لا الفقهي هي شبكة الأمان التي منعت التفكك الكامل

هذه الثنائية المصطنعة أنتجت عبر عقود أزمة وِلاءات مزدوجة

حيث يُوضع الفرد في مخاض اختياري قسري بين السماء والأرض بين الروحي المطلق والمكاني الملموس وهي من اشكاليات الدول التي اغفلت المواطنة.

 

من المثالية إلى الواقع الاجتماعي

حين ننتقل من التنظير المثالي إلى واقع الممارسة الاجتماعية والسياسية

فإننا نرتطم بجدار صلب من التناقضات

اللقاء كشف عما هو أعمق من كلمات الاستوديو فقد كشف عن أزمة ثقة هيكلية بين المواطن ومفهوم الدولة وعن هشاشة البنى الثقافية التي تربي الأجيال على قبول الآخر المختلف في إطار وطني جامع

لكن هنا ليست مجرد حرف عطف استدراكي بل هي الفجوة الهائلة بين ما ينبغي أن يكون دولة مواطنة جامعة وما هو كائن مجتمعات ممزقة بين العصبيات والانتماءات الهوياتية المتناحرة نحو أفق المواطنة الحاضنة. 

 

الوطن والعقيدة ليسا في خصومة حتمية

فالعقيدة الحقة تنبض بالعدل والسلام

والوطن الحق هو الذي يتسع لكل أبنائه بلا تمييز أو إقصاء. وإن لم تتعلم مجتمعاتنا تفكيك هذه الثنائيات القاتلة عبر نقد ثقافي شجاع وتعليم يعلي من شأن التفكير النقدي والمواطنة الحقة فسنبقى ندور في نفس الساقية نبحث عن وطن يجمعنا فيما نحن نُشيد السدود في قلوبنا وعقولنا.

.

ختاما

المواطنة الصالحة لا تُبنى بالخطب وحدها ولا يكفي أن نردد أن الجميع أبناء وطن واحد بينما تتسع في الحياة اليومية ممارسات التمييز والتنابز والتشكيك بالنيات

ولا يكفي أن ندعو إلى التسامح إذا كانت بعض البيئات الاجتماعية تعاقب أبناءها معنوياً لمجرد اختلافهم في الرأي أو طريقة التعبير

إن التناقض بين الخطاب والممارسة هو أحد أسباب هشاشة الثقة الاجتماعية فحين يشعر المواطن بأن حقوقه تتوقف على هوية الجماعة التي ينتمي إليها تتراجع ثقته بالمؤسسات ويلجأ إلى الاحتماء بهويته الضيقة بدلاً من الاطمئنان إلى القانون العام

أدن ليست المعادلة أن نختار

بين الوطن والعقيدة في كل مرة

بل أن نبني وعياً يجعل الانتماء مسؤولية والاختلاف حقاً والمواطنة أساساً مشتركاً للحياة

وحين يصبح القانون مرجعاً للجميع والكرامة حقاً لا امتيازاً والاختلاف فرصةً للفهم لا ذريعةً للإقصاء

عندها فقط نستطيع الانتقال من سؤال ​الْوَطَنُ أَمِ الْعَقِيدَةُ إلى سؤال أكثر أفق ونضج ووعي

كيف نعيش معاً رغم اختلافنا.

 

تقديري واعتزازي 


مشاهدات 47
الكاتب محمد فخري المولى  
أضيف 2026/11/02 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 2:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 205 الشهر 4630 الكلي 16655164
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير