الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخماسية المشرقية.. من يؤثر بمن في معادلة الإقليم؟

← بواسطة azzaman

الخماسية المشرقية.. من يؤثر بمن في معادلة الإقليم؟

هاشم الشماع

 

لا يمكن فهم الشرق الأوسط من خلال قراءة سياسات دوله كلٌّ على حدة، أو التعامل مع أزماته بوصفها ملفات منفصلة. فخلف الحدود السياسية التي رسمتها التحولات التاريخية، توجد شبكة معقدة من المصالح والهويات والروابط الجغرافية والاقتصادية والأمنية، تجعل ما يحدث في دولة ما قادراً على إعادة تشكيل حسابات جيرانها، وتمنح التفاعلات الإقليمية أثراً يتجاوز حدودها المباشرة.

من هذا المنطلق، تبرز أهمية النظر إلى العراق وإيران وتركيا وسوريا ولبنان بوصفها فضاءً إقليمياً متداخلاً، يمكن تسميته «الخماسية المشرقية». وليس المقصود بذلك الدعوة إلى إنشاء تكتل سياسي جديد، أو افتراض وجود تطابق بين أنظمة هذه الدول ومصالحها، بل محاولة فهم طبيعة التأثير المتبادل بينها، وحدود قدرة كل دولة على التأثير في مسارات الدول الأخرى.

العراق وسوريا في قلب المعادلة

يحتل العراق موقعاً محورياً في هذه الخماسية بحكم جغرافيته التي تصل الخليج ببلاد الشام وتركيا وإيران، وبحكم تاريخه وتنوعه الاجتماعي وصلاته الاقتصادية والثقافية مع محيطه. لكن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ سياسي؛ إذ يحتاج إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية خارجية توازن بين المصالح الوطنية وعلاقات الجوار.

وهنا يبرز السؤال العراقي: هل يستطيع العراق الانتقال من موقع تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية إلى دولة تؤثر في صياغة التوازنات، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف معها؟

أما سوريا، فإن موقعها يصل العراق بلبنان وتركيا، ويربط المشرق بامتداداته المتوسطية. ولذلك فإن التحولات في الدولة السورية لا تبقى شأناً داخلياً، بل تمتد آثارها إلى أمن الحدود، وحركة التجارة، وملفات اللاجئين، والتوازنات العسكرية، وحسابات القوى الإقليمية والدولية.

إن استقرار العراق وسوريا، وتعافي مؤسساتهما، لا يمثلان مصلحة وطنية لهما فحسب، بل يشكلان عاملاً مؤثراً في مستقبل المنطقة بأسرها.

إيران وتركيا: النفوذ وحدود القوة

تمتلك إيران وتركيا أدوات متعددة للتأثير الإقليمي، تتفاوت بين الاقتصاد والأمن والعلاقات السياسية والامتدادات التاريخية والثقافية. غير أن النفوذ ليس قدرة أحادية الاتجاه؛ فالدول التي تسعى إلى التأثير في محيطها تتأثر بدورها باستقرار جيرانها، وبطبيعة المجتمعات التي تتعامل معها، وبالتحولات الاقتصادية والسياسية التي تتجاوز حدودها.

ولا يمكن فهم العلاقة بين طهران وأنقرة من خلال التنافس وحده، كما لا يمكن اختزالها في التعاون. فبين الطرفين مساحات من المصالح المشتركة، وأخرى من التنافس، وقد تجتمع هذه المساحات في الوقت نفسه، تبعاً للملف المطروح والظرف الإقليمي.

أما لبنان، فيكشف بصورة واضحة كيف يمكن للتداخل بين العوامل الداخلية والارتباطات الإقليمية أن يجعل التوازن السياسي والأمني مسألة تتجاوز حدود الدولة، مع بقاء مستقبلها مرتبطاً بقدرتها على بناء مؤسسات فاعلة وصون قرارها الوطني.

الهويات والجغرافيا والاقتصاد: ما وراء السياسة

لا تتحدد العلاقات بين الدول الخمس بالقرارات الحكومية والتحالفات العسكرية وحدها. فالتنوع القومي والديني والمذهبي، والروابط الاجتماعية العابرة للحدود، والذاكرة التاريخية، وقضايا الأقليات، كلها عناصر يمكن أن تسهم في بناء التعاون، أو تتحول إلى مصادر للتوتر حين تُستثمر في الصراعات السياسية.

وتزداد أهمية هذه العوامل عندما تتداخل مع المصالح الاقتصادية وأمن المياه والطاقة وطرق التجارة والنقل. فالممرات الجغرافية ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل موارد استراتيجية يمكن أن تخلق مصالح مشتركة، كما يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط متبادل.

ومن هنا، فإن مقاربة الخماسية المشرقية تتطلب تجاوز التفسيرات التي تختزل المنطقة في صراع مذهبي أو تنافس بين قوى كبرى. فهذه التفسيرات، على الرغم من قدرتها أحياناً على إضاءة جانب من المشهد، لا تكفي وحدها لتفسير تعقيد العلاقات بين الدول والمجتمعات.

من التأثير المتبادل إلى مستقبل المنطقة

السؤال «من يؤثر بمن؟» لا يبحث عن دولة منتصرة وأخرى خاضعة بقدر ما يحاول كشف طبيعة العلاقات التي تجعل النفوذ متغيراً، لا امتيازاً دائماً. فقد تمتلك دولة أدوات ضغط في ملف معين، لكنها تحتاج إلى التعاون مع جيرانها في ملفات أخرى؛ وقد تتمكن دولة أصغر من التأثير في حسابات قوى أكبر بسبب موقعها الجغرافي أو أهمية قضيتها أو ارتباطها بمسارات الأمن والاقتصاد.

إن مستقبل الخماسية المشرقية لن يتحدد بحجم القوة العسكرية وحده، بل بقدرة دولها على إدارة الاختلاف، وتخفيف الصراعات، وتطوير المصالح الاقتصادية المشتركة، واحترام سيادة الدول وحق مجتمعاتها في تقرير مستقبلها.

ولعل التحدي الأكبر أمام العراق وسوريا ولبنان، إلى جانب إيران وتركيا، هو الانتقال من منطق توظيف الأزمات المتبادلة إلى منطق إدارتها، ومن التعامل مع الجغرافيا بوصفها ساحة تنافس إلى النظر إليها باعتبارها أساساً ممكناً للتكامل.

فالمشرق ليس مجرد رقعة تتصارع فوقها القوى، بل فضاء تتشابك فيه المصائر. وفهم هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى للإجابة عن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والباحثين والرأي العام: ليس فقط من يؤثر بمن اليوم، بل كيف يمكن تحويل التأثير المتبادل من مصدر للأزمات إلى مدخل للاستقرار؟

 

كاتب وصحفي عراقي


مشاهدات 45
الكاتب هاشم الشماع
أضيف 2026/11/02 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 2:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 203 الشهر 4628 الكلي 16655162
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير