التحكيم يوحّد النوارس والصقور
قصي زاهد
أزمة التحكيم في الدوري العراقي لم تعد تُقرأ بوصفها مجموعة لقطات جدلية أو قرارات خاطئة معزولة، بل تحوّلت إلى حالات جدلية تتراكم وتُلقي بظلالها على عدالة المنافسة وثقة الأندية والجمهور بالمسابقة. فالأخطاء التحكيمية، بحد ذاتها، جزء لا ينفصل عن لعبة كرة القدم في مختلف البطولات، والفارق الجوهري بين بالفوضى والاستقرار يكمن في كيفية إدارة هذا الخطأ بعد وقوعه. وفي الحالة العراقية لا تكمن المشكلة في القرارات ذاتها، بل بتداعياتها وتأثيرها على سياق المنافسة.
خلال الأسابيع الماضية، تصاعد الجدل التحكيمي بوتيرة لافتة، وفرض نفسه في صدارة المشهد الكروي، بدءًا مما رافق مباراة الشرطة والميناء من تساؤلات واعتراضات، مرورًا بالأحداث التي شهدتها مواجهة الشرطة والنجف، وصولًا إلى البيان المشترك الصادر عن إدارتي الزوراء والقوة الجوية، هذا التسلسل لا يمكن التعامل معه بوصفه مصادفة أو تراكب أحداث، بل يعكس حالة احتقان متنامية، أساسها شعور متزايد لدى الأندية بأن القرارات التحكيمية تُدار من دون معيار واضح أو مراجعة معلنة.
في هذا السياق، تكتسب بيانات الاعتراض أهميتها لا من حدّتها، بل من طبيعتها. فحين يصل الجدل إلى مستوى مواقف مؤسسية صريحة تصدر عن أندية كبيرة وفاعلة في المنافسة، فإن القضية تتجاوز حدود الانفعال اللحظي وردود الفعل الآنية. هنا، لا يعود الاعتراض مرتبطًا بلقطة أو قرار محدد، بل يتحول إلى تشكيك أوسع بطريقة إدارة ملف التحكيم ككل. والأندية، في مثل هذه الحالات، لا تبحث عن تبرير نتائج أو تبرئة مواقف، بقدر ما تطالب بضمانات تحمي عدالة المنافسة وتكفل استقرارها، وتعيد الثقة بأن القرارات الحاسمة تُدار وفق أطر واضحة لا وفق اجتهادات معزولة.
جوهر المشكلة لا يكمن في تقييم صحة كل قرار تحكيمي على حدة، ولا في البحث عن حكم أخطأ أو أصاب، بل في غياب منظومة متكاملة لإدارة ما بعد المباريات الجدلية. ففي ظل هذا الغياب، يُترك الحكم في واجهة النقد وحيدًا، بينما تتراجع الجهة التي يُفترض أن تتحمّل مسؤولية الشرح والتوضيح واحتواء الجدل. ومع تكرار هذا النمط، يتحول كل قرار إلى موضع شك، وكل مباراة إلى ساحة توتر، مهما كانت نوايا الطاقم التحكيم أو ظروف اللقاء.
هذا الواقع لا يسيء إلى صورة الحكم فحسب، بل ينعكس سلبًا على الدوري بأكمله، فغياب الشفافية يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، ويغذّي الإحساس بأن النتائج قد تتأثر بعوامل خارجة عن الإطار الفني، حتى لو لم يكن ذلك واقعًا فعليًا. ومع كل جولة جديدة، تتسع الفجوة بين الأندية والمنظومة، ويتحوّل الصمت من أداة يُفترض أن تحتوي الجدل، إلى سبب مباشر في تضخيمه. أزمة التحكيم في الدوري العراقي، بهذا المعنى، ليست أزمة أسماء أو قرارات فردية، وليست مرتبطة بحكم هنا أو مباراة هناك، بل هي أزمة إدارة ملف حساس، ومعالجتها لا تبدأ بتغيير الأشخاص، ولا بالاكتفاء بوعود عامة أو بيانات مقتضبة، بل بخطوة أساسية تتمثل في إدارة واضحة لما بعد الخطأ، تقوم على الشرح والتقييم والتواصل المنتظم. من دون ذلك، سيبقى الجدل حاضرًا، وستبقى الصافرة مجرد بداية لسلسلة من الأسئلة التي لا تجد من يجيب عنها، في دوري لا يمكن أن يستقر أو يستعيد ثقته ما لم تُدار هذه المرحلة الحساسة بعقلية مؤسسية واضحة.