الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحرب الأمريكية الوشيكة على إيران والإختيارات الصعبة

بواسطة azzaman

الحرب الأمريكية الوشيكة على إيران والإختيارات الصعبة

قتيبة آل غصيبة

 

في عبارة شهيرة؛ «للشاعر والفيلسوف الامريكي رالف والدو إمرسون؛ ت: 1883»: (عندما تضرب ملكاً، يجب أن تقتله..)، فإنها قيلت في سياقٍ مجازي سياسي، بأن من يواجه سلطة مطلقة أو نظاماً متجذراً؛ ولا يذهب في مواجهته إلى النهاية؛ فإنه يعرّض نفسه للهلاك، إنها تحذير من انصاف الحلول والمواجهة غير الحاسمة؛ ولهذا السبب شاعت العبارة لاحقاً في الأدبيات السياسية؛ وفي تحليل الصراعات الدولية، فهي تُمثل تحذيراً من خطورة مواجهة السلطة المطلقة بنصف قرار؛ وان المقصود ليس العنف بذاته؛ بل الإشارة إلى أن أي صدام مع قوة متجذّرة؛ إن لم يكن حاسماً ونهائياً؛ فإنه يتحول إلى خطأ قاتل؛ لأن السلطة التي تُجرَح ولا تُكسَر ستعود أكثر شراسة وانتقاماً، هذه الحكمة القديمة تبدو اليوم وكأنها كُتبت خصيصاً لتصف اللحظة الراهنة في العلاقة المتفجرة بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ لم تعد التحشدات العسكرية؛ ولا التصريحات المتبادلة مجرد أدوات ضغط نفسية؛ بل مؤشرات على اقتراب اختبار استراتيجي بالغ الخطورة لا يحتمل التردد أو أنصاف الحلول.

إن التحشّد العسكري الأمريكي في محيط إيران؛ بحجمه ونوعيته وتوقيته؛ لا يمكن فهمه بوصفه استعراض قوة عابر؛ بل كجزء من تحوّل أعمق في موقف واشنطن تجاه النظام الإيراني، فبعد عقود من الاحتواء؛ والعقوبات؛ والمفاوضات المتقطعة؛ تتنامى داخل مراكز القرار الأمريكية قناعة بأن هذا النظام لم يعد خصماً يمكن ضبط سلوكه، بل بات مشروعاً أيديولوجياً يهدد المصالح الامريكية وخلفائها؛ عبر شبكة واسعة من الأذرع العسكرية والسياسية في المنطقة، وفي هذا السياق؛ تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب؛ في ولايته الثانية؛ أقل ميلاً للمساومات الرمادية؛ وأكثر استعداداً لاختبار خيار القوة؛ لا بوصفه أداة ردع فقط؛ بل كوسيلة محتملة لإحداث كسر استراتيجي في بنية النظام ألايراني نفسه.

نظام ايراني

غير أن الجدية في التهديد لا تعني تلقائياً قراراً نهائياً بإسقاط النظام الإيراني، فالفارق شاسع بين توجيه ضربة لإضعاف (الملك) وإرباكه؛ وبين توجيه ضربة تهدف إلى (قتله) سياسياً عبر تفكيك مؤسساته العقائدية والأمنية، فضربة الإضعاف قد تحقق مكاسب تكتيكية سريعة؛ لكنها تحمل في طياتها خطر التحول إلى فشل استراتيجي مؤجل، أما الضربة القاتلة؛ فهي تفتح الباب على حرب واسعة الكلفة؛ غير مضمونة النتائج؛ وقد تعيد تشكيل الشرق الأوسط برمّته.

في المقابل، فإن إيران لا تتعامل مع هذه التحشّدات بوصفها مفاجأة؛ بل كامتداد طبيعي لصراع طويل مع الولايات المتحدة، وهي تدرك؛ بحكم خبرتها؛ أن الضربة (غير القاضية) قد تكون فرصة أكثر منها تهديداً؛ لأنها تسمح للنظام بإعادة إنتاج خطاب الصمود؛ وتوحيد الداخل؛ وتوسيع دائرة المواجهة عبر الأذرع الإقليمية، لذلك ترفع طهران سقف خطابها؛ وتلوّح بردود متعددة الساحات؛ لا لأنها قادرة على الانتصارعسكرياً في مواجهة مباشرة؛ بل لأنها تراهن على جعل كلفة الحسم الأمريكي أعلى من تأثيره؛ وعلى خوف واشنطن من الانزلاق إلى حرب لا يمكن التحكم بمساراتها.

هنا تستعيد مقولة «إمرسون» معناها الأشد قسوة، فالولايات المتحدة؛ إن قررت الضرب؛ ستكون أمام امتحان مصداقية تاريخي: (إما أن تذهب إلى النهاية؛ بكل ما تحمله من مخاطر سياسية وعسكرية واقتصادية؛ أو أن تكتفي بضربة محدودة تترك النظام الإيراني جريحاً؛ أكثر عدوانية؛ وأقل قابلية للاحتواء) ، أما إيران؛ فإن شعرت بأن بقاءها بات مهدداً؛ فلن تتصرف كدولة تسعى لتقليل الخسائر؛ بل كنظام يخوض معركة وجود؛ حيث تختفي الخطوط الحمراء؛ وتصبح كل الساحات مفتوحة.

سياسية امنية

وبلا شك فإن تداعيات هذا الصدام المحتمل لن تقتصر على الطرفين؛ فالمنطقة بأسرها تقف على حافة ارتدادات خطيرة، ويأتي (العراق) في مقدمة الدول الأكثر عرضة لدفع الثمن؛ فالعراق بجغرافيته السياسية والأمنية الهشة؛ وبوجود أذرع إيرانية متجذرة في مفاصله، مرشح لأن يتحول إلى ساحة مواجهة بالوكالة؛ سواء أراد ذلك أم أبى؛ فأي تهديد وجودي للنظام الإيراني سيُترجم تلقائياً إلى ضغط وتحرك داخل العراق؛ ما يضع الدولة العراقية أمام معادلة قاسية بين الحفاظ على السيادة أوالانزلاق إلى فوضى جديدة تُجهض ما تبقى من استقرار هش.

أما على المستوى الدولي، فإن مواجهة غير محسومة ستعمّق تصدعات النظام العالمي؛ وتسرّع تشكل محاور متصارعة، إذ ستسعى الصين وروسيا إلى استثمار الصراع لإضعاف الهيمنة الأمريكية، بينما ستجد أوروبا نفسها عالقة بين التحالف السياسي مع واشنطن والكلفة الاقتصادية والأمنية الباهظة لأي تصعيد طويل، وفي حال سقط النظام الإيراني فعلاً؛ فإن العالم سيواجه فراغاً استراتيجياً خطيراً في منطقة حيوية للطاقة والتجارة؛ مع احتمالات تفكك داخلي وصراعات إقليمية متداخلة؛ فالخياران أحلاهما مرٌ.

في النهاية، لا تبدو مقولة (عندما تضرب ملكاً، يجب أن تقتله) مجرد حكمة أدبية؛ بل قاعدة قاسية من قواعد التاريخ السياسي، أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس اندلاع الحرب بحد ذاتها؛ بل اندلاع (حرب غير حاسمة)، تترك (الملك) جريحاً لا ميتاً، فالتجارب تثبت أن السلطة التي تُستَهدف ولا تُسقَط، لا تخرج أضعف فحسب؛ بل أكثر شراسة؛ وأكثر استعداداً لإحراق محيطها، وبين هذا وذاك، تبقى دول المنطقة؛ وفي مقدمتها العراق؛ عالقة بين نار قرار لم تصنعه، وجغرافيا لا تستطيع الهروب منها....

والله المستعان


مشاهدات 44
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/02/03 - 4:01 PM
آخر تحديث 2026/02/04 - 1:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 89 الشهر 2354 الكلي 13933998
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير