الخدمات العامة ومعنى الدولة في حياة المواطن
علي كمال الدين
في حياة المواطن اليومية، لا تظهر الدولة في شكلها الدستوري أو السياسي، بل في أبسط تفاصيل العيش:
في ضوء كهرباءٍ مستقر أو منقطع، في مستشفىٍ قادر على العلاج أو عاجز عنه،
وفي سوقٍ تلتهم فيه الأسعار دخل الأسرة دون أفق واضح. من هنا، لا يحتاج المواطن إلى تحليل سياسي معقّد ليكوّن موقفه من الدولة، بل يكفيه أن يسأل: هل الدولة حاضرة في حياتي أم غائبة عنها؟
الخدمات العامة ليست شأناً إدارياً ثانوياً، بل هي الاختبار الحقيقي لجدّية أي نظام سياسي. فالدولة التي لا تستطيع أن تؤمّن كهرباء مستقرة، أو نظاماً صحياً يحفظ كرامة الناس، تفقد تدريجياً قدرتها على إقناع مواطنيها بخطابها، مهما كانت نواياها أو شعاراتها.
في العراق، لم يعد غياب الخدمات حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من الروتين اليومي. ومع الزمن، تحوّل هذا الغياب من مشكلة تقنية إلى أزمة ثقة عميقة. فالمواطن الذي لا يرى أثر الدولة في بيته أو صحته، لا يشعر بالعداء تجاهها بقدر ما يشعر بالابتعاد عنها.
هذا الابتعاد لا يظهر دائماً في شكل احتجاج أو غضب، بل غالباً ما يتخذ شكلاً أكثر خطورة: الانسحاب الصامت.
انسحاب من الاهتمام بالشأن العام، ومن متابعة الوعود، ومن تصديق الخطابات.
وحين تتراجع الدولة عن أداء دورها الطبيعي، لا يبقى الفراغ فارغاً. تظهر بدائل اجتماعية ووظيفية مثل: العشيرة، والعلاقات الشخصية، والوساطات. وكلها ليست تعبيراً عن رفض الدولة، بل عن حاجة الناس إلى من يسدّ فراغها.
فالمجتمع، بطبيعته، يبحث عمّن يحل مشكلاته، لا عمّن يشرح له أسبابها فقط.
الدولة المدنية، في معناها العملي، ليست مشروعاً أيديولوجياً ولا وصفة جاهزة، بل هي دولة تُدار بمنطق الخدمة قبل الخطاب، وبمنطق العدالة قبل الولاء.
دولة يشعر المواطن فيها أن حقه في الكهرباء، والصحة، والعيش الكريم، لا يرتبط بانتماء أو واسطة، بل بكونه مواطناً فقط.
لا يمكن استعادة ثقة الناس عبر الوعود المؤجلة، ولا عبر تحميلهم مسؤولية الصبر المفتوح. فالصبر، مثل الثقة، له حدود، وحين لا يجد ما يدعمه على أرض الواقع، يتحوّل إلى لا مبالاة.
إن الطريق إلى استعادة الدولة يبدأ من التفاصيل الصغيرة، لا من الشعارات الكبيرة: من خدمة تُقدَّم بعدالة، ومن إدارة تُحاسَب بوضوح، ومن سياسة تُقاس بما تُنجز لا بما تقول.
فالدولة التي لا يراها المواطن في تفاصيل حياته اليومية، يصعب إقناعه بوجودها في الخطاب العام.