الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من هو توماس باراك؟ وكيف ينظر إلينا وننظر إليه؟

بواسطة azzaman

من هو توماس باراك؟ وكيف ينظر إلينا وننظر إليه؟

ياس خضير البياتي

 

توماس باراك، رجل الأعمال الأمريكي من أصول لبنانية زحلية، أكثر من مجرد شخصية بارزة في عالم المال والعقارات، فهو يؤثر في السياسة العالمية بنظرة امبراطورية تجاه الشرق الأوسط، حيث يُفهم سكان المنطقة كما تُفهم خرائط سياسية تتشكل وفقاً لمصالح الولايات المتحدة.

وُلِد عام 1947 لعائلة هاجرت من زحلة في أوائل القرن العشرين، ودرس الأدب والقانون قبل أن ينتقل إلى كاليفورنيا ليؤسس إمبراطورية عقارية ضخمة. يتمتع بولاء جمهوري وثيق مع الرئيس ترامب، الذي عينه في مناصب دبلوماسية هامة: سفيراً في تركيا، ومبعوثاً خاصاً إلى سوريا عقب سقوط الأسد، ومديراً للملف العراقي بعد مارك سافايا في فبراير 2026، كما أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين

سكان همجيون في نظره

في 26 أغسطس 2025، وفي حديثه مع صحفيين لبنانيين، أطلق باراك صرخته القاسية: «توقفوا عن هذا السلوك الحيواني!»، مما أظهر احتقاره للثقافة المحلية ورؤيته الناقدة للشرق الأوسط.  بالنسبة إليه، فإن شعوب هذه المنطقة تبدو ككتل همجية تفتقر للأدب الدبلوماسي والقدرة على التنظيم الحضاري.

مقياس اساسي

لا يرى في السكان المحليين سوى خراف يُمكن التحكم بها، أكثر من اعتبارهم مواطنين نشطين ولدورهم الفاعل. تعكس تصريحاته عقليته الإمبريالية الجلية، التي تركز على الهيمنة بدلاً من التفاهم أو التعاون.  القوة هي المقياس الأساسي، والضعف يُستغل لتعديل الواقع وفق المصالح الخارجية.

هذه الفورية الصارخة تنبع من فلسفة باراك: الدول والمجتمعات بنظره ليست قادرة على الحكم الذاتي. ليس من المستغرب بنظره إخفاقهم في إدارة سياساتهم المحلية، بل يُعتبر ذلك أمراً طبيعياً في سياق رؤيته الإمبراطورية.  وصف الشعوب بـ «همجية» يُتيح مبرراً للتدخل الخارجي ويحوّل السيطرة إلى ضرورة سياسية

من هنا، تصبح كلماته عاكسة لرؤيته: الإنسان الشرقي ليس فعالاً مستقلاً، بل أداة في لعبة القوى الكبرى.  إعلان عن القبائل كما قال باراك: «لا يوجد شيء يسمى الدولة القومية في الشرق الأوسط، فهم ينتمون إلى عوائلهم وقبائلهم أكثر من انتمائهم إلى هويتهم الوطنية

بمعنى آخر، يرى المنطقة مجموعة من القبائل المتناحرة وليس دولاً ذات سيادة.  الدول الحديثة، في تصوراته، ليست أكثر من اختراعات استعمارية على الورق، ضعيفة وغير قادرة على تحقيق الاستقلال. الفوضى بين القبائل تمنع تأسيس دولة قوية وثابتة.  الصراحة القاسية في تصريحاته تعكس نهجاً تحليلياً صارماً، يُفضل مواجهة الحقائق دون مراوغة.

الشعوب ليست كيانات قائمة بذاتها، بل أدوات في لعبة استراتيجية، يمكن تحريكها وفق ميول القوى الكبرى. بالنسبة له، فإن السيطرة الخارجية هي السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والهيمنة على الموارد.  الدولة، إن وُجدت، مجرد غطاء يُمكن إعادة ترتيبه بما يتناسب مع القوة المسيطرة.

خطابه لا يصف الواقع فحسب، بل يُعطي مبررات للهيمنة الأمريكية كأمر حتمي وطبيعي.  وبذلك، يتحول الشرق الأوسط في فكر باراك إلى فوضى يسهل إدارتها، وكتل بشرية يمكن توجيهها، ودول ظرفية يمكن تقسيمها.

العراق في تصوراته: غابة قوة

في اعتقاد توماس باراك، العراق ليس بلداً بذاته، بل حقل تحتاج فيه السيطرة القوية. ويقول بوضوح: «حكومة تفرضها إيران لن تُحقق طموحات العراقيين، ولا ستؤسس شراكة مع أمريكا.» هذا التصريح يكشف عن فلسفته الجوهرية، حيث يرى أن القوة وحدها هي معيار الاحترام، والضعف يُداس عليه ما دام الحكم خاضعاً للإرادة الأمريكية.

أي محاولة لبناء هوية مستقلة بعيداً عن النفوذ الأمريكي أو الإيراني تُعتبر تهديداً ينبغي السيطرة عليه. تصوير العراق على أنه غابة يعكس رؤية استعمارية جلية. الفوضى ليست مجرد نتيجة عشوائية، بل تبدو كفرصة لإعادة تنظيم المشهد بما يخدم مصالح القوى العظمى.

 في هذا الإطار، تمثل المليشيات الإيرانية الملء للفراغ الذي أحدثه الفشل الأمريكي السابق، ليصبح العراق ساحة للصراعات بين القوى بدلاً من كونه أمة تمتلك إرادة حرة. من الناحية النفسية، يظهر باراك بنمط تفكير تحكمي. تُعتبر الدولة والشعوب ككائنات يمكن توجيهها أو السيطرة عليها بدلاً من أن تكون أطرافًا مستقلة. تصريحاته تعبر بوضوح عن قناعته بأن الهيمنة والسيطرة هما السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار، وأن التدخل الخارجي يعد ضرورة استراتيجية لا ترفًا.

بتلك الطريقة، يبدو العراق في رؤية باراك غابة فوضوية تحت ضغط القوى المتنوعة، مما يستدعي تدخلًا خارجيًا لإعادة فرض النظام. هذا التصور يعكس ارتباط القوة الاقتصادية بالهيمنة السياسية كشرط لأي استقرار محتمل في الشرق الأوسط.

يجادل باراك ضد التدخل الأمريكي السابق في العراق مشيرًا إلى نفقاته الضخمة، بقوله إنها نتجت عن إنفاق لمليارات الدولارات وأودت بحياة الكثيرين، مما فتح المجال لإيران لاستغلال الوضع عبر مليشياتها. بالتالي، يعبر عن أن الفشل العسكري الأمريكي لا يمثل فقط إخفاقًا على الصعيد التكتيكي، بل نموذجًا لما ينبغي تجنبه في المستقبل.

فبدلاً من الانغماس في مجالات عسكرية، يقترح باراك انسحابًا متحكمًا يركز على الدبلوماسية وتعزيز الأمن من خلال السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية في أربيل، مع تعزيز الجهود لمكافحة الإرهاب دون تدخل مباشر على الأرض.

ومن ثم، يدمج بين انتقاد الفشل السابق وبراغماتية ترامب في تحقيق النفوذ بطرق أمنية اقتصادية دون تكاليف ميدانية.

سوريا: حماية الاستقرار من وسطاء إيران

تهديد مباشر

فيما يتعلق بسوريا، يعتبر توماس باراك أن استقرار المنطقة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنفوذ إيران في العراق. ينظر إلى أي تقارب إيراني في سوريا كتهديد مباشر للاستقرار ويعتبره مصدراً للفوضى يتطلب إدارة فعالة. يدعم باراك التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية وتقديم المساعدات الإنسانية، ومع ذلك، هو يدرك أن ذلك ليس لمصلحتها فقط، بل كوسيلة لإدارة الأزمات والحد من النفوذ الإيراني. بالنسبة له، الاستقرار يأتي من الإدارة المركزية الصارمة التي تفرض قواعد اللعب، بدلًا من الاعتماد على الإرادة المحلية.

سياسيًا، فإن تصور باراك لسوريا يعكس فكرته الإمبراطورية نفسها التي طبقها بخصوص العراق ولبنان؛ القوة والسيطرة هما أساس الاستقرار، بينما ينبغي تعديل أو تقليص التدخلات المحلية أو النفوذ الأجنبي المعارض. في نظره، سوريا ليست كيانًا مستقلًا، بل ساحة استراتيجية ينبغي الحفاظ عليها تحت إشراف أمريكي مباشر. نفسياً، يُظهر خطاب باراك تحكمًا صارمًا يعكس رؤية متصلبة للعالم، حيث يعتبر أن الشعوب ليست فاعلة بحد ذاتها، بل هي أقسام يمكن إدارتها وفقًا لمصالح القوى الكبرى. تعبر صراحته عن عدم انشغاله بالمجاملات الدبلوماسية، بل يعرض الواقع كما يراه دون تلاعب.

وبذلك، تتحول سوريا في رؤية باراك إلى منطقة استراتيجية خاضعة لمحددات القوة الأمريكية، حيث يرتبط الاستقرار بقدرة الخارج على ضبط الفوضى ومنع أي تحالفات معارضة، مما يؤكد امتداد رؤيته التي تتعلق بالعراق ولبنان ويعزز منهج الإمبراطورية في إدارة شؤون الشرق الأوسط.

رؤيتنا من خلال مرآة الإمبراطور

من منظور نفسي، يُظهر توماس باراك شخصية واضحة ومباشرة، تخلو من التجميل أو التحايل؛ سلوكه وكلماته تجاه الآخرين واضحة جدًا، تصل إلى حد الصراحة القاسية. على الرغم من عنف هذه الصراحة، فإنها تكشف عن ميول تحكمية واستعلائية واضحة، حيث لا يخفي مواقفه ولا يلجأ إلى كلمات دبلوماسية لتخفيف الانطباعات. بدلاً من ذلك، يعبّر بوضوح عن آرائه حول الدول والشعوب. يمتلك ثقة عميقة بالقوة والنفوذ والهيمنة كأدوات تأثير، بدلاً من الاختباء خلف قواعد البروتوكول، يفضل باراك مواجهة الحقائق كما يراها.

على الصعيد السياسي، يرى باراك الشرق الأوسط كمساحة استراتيجية تتطلب تحليلًا مباشرًا: الفوضى ليست مجرد مأساة إنسانية، بل هي فرصة لإعادة تشكيل المنطقة وفقًا لمصالح القوى العظمى. قوته الاقتصادية والسياسية ليست خفية، بل تُعبر عنها من خلال خطاب واضح لا يُترك مجال للريب، مما يميزه عن السياسيين التقليديين الذين يختبئون خلف الكلمات الدبلوماسية.

في نظره، يعتبر الفشل الأمريكي في العراق وسوريا مثالًا يجب التمسك به: الموارد التي تهدر، والسياسات المشتتة، والتحالفات الهشة، يجب التعامل معها بصراحة وإعادة تنظيمها بصرامة. باختصار، باراك لا ينظر إلينا كدول حية، بل كأقاليم تحتمل التقسيم، وأزمات يمكن إدارتها، وموارد يمكن الاستثمار فيها.

صراحته توضح رؤيته: السياسة ليست فن التظاهر، بل هي فن السيطرة الفعلية على الفوضى وإعادة تنظيمها وفقًا لقوة معينة. وبالتالي، في عينيه، تتحول الأرض إلى خريطة استراتيجية يُفسّر كل جزء فيها بوضوح، ويتم استغلال كل ضعف دون أي تلاعب أو خداع.

وبهذا، تصبح السياسة في تفكير باراك نمطًا من الاستراتيجية الواضحة، تبرز فيها القوة والهيمنة، وأيضًا الضعف والفوضى، كأنها بيت شعر في دفتر الإمبراطورية الأمريكية، حيث الحقيقة القاسية تتجلى في الخطاب بلا تزيين، وتفرض نفسها على الواقع بكل وضوح.

 


مشاهدات 59
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/02/03 - 4:04 PM
آخر تحديث 2026/02/04 - 1:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 90 الشهر 2355 الكلي 13933999
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير