قصة قصيرة
أثرٌ قابلٌ للتداول
مازن الحمداني
لم يكن يبحثُ عن النجاة، بل عن نبرةٍ ثابتةٍ، نبرةٍ لا ترتجفُ حين يُسأل، ولا تتلعثمُ حين يُطالَبُ بماضٍ صالحٍ للتصديق.
في المدينةِ التي أعادتْ تشكيلَ اللاجئينَ بأسماءٍ جديدة، كانَ السوقُ يعملُ بصمتٍ أنيق.
لا لافتات، لا مزادات، غرفٌ معقّمة، وأطباءُ ذاكرةٍ لا يسألونَ عن السبب.
الذكرياتُ هنا لا تُشترى للحنين، بل للاستخدام، حينَ جلسَ على الكرسيِّ المعدنيِّ، لم يشعرْ بالخوف.
ماضيهُ كانَ أخفَّ من أن يُدافَعَ عنه، سنواتٌ من الانسحابِ الذكيِّ، من النجاةِ بلا موقفٍ، من الصمتِ حينَ يكونُ الكلامُ عبئًا.
قالَ للطبيبِ إنّهُ مستعدّ، لم يقلْ لأيِّ شيء، الذاكرةُ التي اختارها لم تكنْ بطوليةً بمعناها المسرحيِّ، كانتْ صارمة، واضحة.
ذاكرةَ رجلٍ لم يتراجعْ، لا لأنّهُ شجاعٌ، بل لأنّ التراجعَ لم يكنْ خيارًا أخلاقيًا.
رجلٍ ماتَ واقفًا، لا يطلبُ تفسيرًا، ولا يتركُ وراءهُ ثغرات.
بعدَ الجلسةِ الأولى، تغيّرَ الإيقاع، لم يعدْ يفكّرُ قبلَ أن يتكلّم، الكلماتُ تأتي مرتّبةً، كأنّها تدرّبتْ طويلًا.
حينَ يقفُ، يقفُ مستقيمًا، وحينَ يصمتُ، يكونُ الصمتُ جزءًا من الخطاب.
الناسُ التقطوا الفرقَ فورًا، قالوا إنّهُ نضجَ فجأة، إنّ التجربةَ صقلته، لم يسألْ أحدٌ عن نوعِ التجربة.
السيرُ المستقيمُ يكفي دليلًا.
خصومُهُ لاحظوا شيئًا آخر، لم يخطئْ.
والذي لا يخطئُ، إمّا نادرٌ… أو ليسَ وحدهُ تمامًا.
لكنّهم لم يقتربوا، فالهجومُ على صورةٍ أخلاقيةٍ متماسكةٍ يُرتدُّ على صاحبهِ.
في الداخلِ، كانَ الأمرُ أوضح، الذاكرةُ الجديدةُ لا تتركُ فراغًا، حينَ يتردّدُ، تُكملُ الجملة.
وحينَ يفكّرُ في الالتفاف، تضعُ حدًّا واضحًا، لم تكنْ تُعذّبه، كانتْ تقوده.
قالَ لنفسِه إنّهُ مؤقّت، إنّهُ سيتعلّمُ منها، ثم يستعيدُ زمامَهُ.
لكنّهُ لاحظَ أنّهُ لم يعدْ يحتاجُ إلى الاستعادة، الجسدُ يعملُ بكفاءةٍ أعلى.
والتصفيقُ لا ينقطع.
مرّةً واحدةً فقط، حاولَ أن يعصي، أن يتسامحَ حيثُ تفرضُ الذاكرةُ الحسم، أن يتركَ ثغرةً إنسانية.
في تلكَ الليلةِ، لم ينمْ، الصورُ المستعارةُ لم تعاقبه، بل راجعته.
أعادَتْ ترتيبَ الوقائع، وبيّنتْ لهُ الخطأ، كانَ النقاشُ داخليًا… لكنّهُ كانَ خاسرًا.
فهمَ عندها، الصفقةُ لم تكنْ تبادلًا، كانتْ إحلالًا، هوَ يملكُ الجسدَ قانونيًا، لكنّ القرارَ لم يعدْ شأنهُ.
اشترى المزرعةَ البعيدةَ ليختبرَ الاحتمالَ الأخير، مكانٌ بلا جمهور، بلا ضرورة.
هناكَ، في الصمتِ، حاولَ أن يستعيدَ نبرتهُ القديمة، خرجتْ متكسّرة، غيرَ واثقة، كأنّها لغةٌ منسيّة.
في المقابلِ، ظلّ الصوتُ الآخرُ حاضرًا، لا يعلو، لا يضغط، ينتظرُ فقط أن يُستدعَى.
وقفَ أمامَ المرآةِ طويلًا.
لم يسألْ: من أنا؟
سألَ: من الذي سيتكلّمُ الآن؟
في الصباحِ، لم يُنهِ العقد، لم يحاولْ الانسحاب، خرجَ كما يخرجُ من اعتادَ القيادة.
كانَ يعرفُ الحقيقةَ كاملةً، بلا التباسٍ:
لم يُغتصَبْ جسدُه، هوَ الذي وقّع، ولن يعترض.
لأنّ الذكرياتِ التي تملكُ مبدأً، حينَ تسكنُ جسدًا بلا موقف، لا تتركُ لهُ سوى خيارٍ واحد:
أن يعمل.
ومضى، لا كصاحبِ حياةٍ، بل كأثرٍ…
قابلٍ للتداول.