الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التوتّرات بين واشنطن والإتحاد الأوربي.. شرخ المصالح أم نهاية الوصاية ؟

بواسطة azzaman

التوتّرات بين واشنطن والإتحاد الأوربي.. شرخ المصالح أم نهاية الوصاية ؟

محمد علي الحيدري

 

لم تعد التوترات المتصاعدة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي مجرد خلافات عابرة حول تعريفات كمركية أو ملفات أمنية محددة، بل باتت تعبيرًا واضحًا عن تحول أعمق في بنية العلاقة العابرة للأطلسي. تلك العلاقة التي تأسست، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على معادلة غير متكافئة قوامها “القيادة الأميركية - التبعية الأوروبية”، تجد نفسها اليوم قيد إعادة صياغة قسرية تحت ضغط التحولات الجيوسياسية العالمية.

في جوهر هذا التوتر تكمن أزمة ثقة متراكمة. فالولايات المتحدة، سواء في نسختها الصدامية ذات النزعة الشعبوية أو في مقاربات أكثر دبلوماسية، لم تعد تنظر إلى أوروبا بوصفها شريكًا ندّيًا، بل باعتبارها مجال نفوذ ينبغي ضبطه ومنع انحرافه عن الخط الاستراتيجي الأميركي. في المقابل، بدأت عواصم أوروبية مؤثرة - باريس وبرلين وبروكسل - تدرك أن كلفة الارتهان السياسي والأمني لواشنطن باتت أعلى من قدرتها على الاحتمال، ولا سيما في عالم يتجه بثبات نحو تعددية الأقطاب.

بؤر الخلاف

اللافت أن بؤر الخلاف لم تعد محصورة في الملفات التقليدية كحلف الناتو أو تقاسم أعباء الإنفاق العسكري، بل امتدت إلى قضايا تمس جوهر السيادة الوطنية نفسها؛ من السياسات التجارية، إلى العقوبات العابرة للحدود، وصولًا إلى نمط اتخاذ القرار الأميركي الأحادي الذي يتجاوز الحلفاء ثم يطالبهم بالاصطفاف خلفه. هذا السلوك يعكس تحولًا مقلقًا في العقل السياسي الأميركي من منطق “إدارة التحالفات” إلى منطق “إدارة الولاءات”.

استراتيجيًا، تخشى واشنطن مسارين متلازمين: الأول، أن تتحول أوروبا إلى قطب سياسي واقتصادي مستقل، قادر على المناورة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. والثاني، أن يشجع هذا النموذج قوى أخرى في آسيا وأميركا اللاتينية على إعادة تقييم علاقاتها مع المركز الأميركي. من هنا، تبدو الضغوط المتزايدة على أوروبا محاولة استباقية لإجهاض أي مسار استقلالي قبل أن يكتمل نضجه.

في المقابل، تعيش أوروبا مأزقًا بنيويًا بين خطاب سيادي طموح وواقع أمني هش. فالقارة التي ترفع شعار “الاستقلال الاستراتيجي” لا تزال، عمليًا، تعتمد على المظلة العسكرية الأميركية، وتفتقر إلى إرادة سياسية موحدة قادرة على ترجمة هذا الشعار إلى منظومة دفاعية واقتصادية متكاملة. هذا التناقض يمنح واشنطن هامش ضغط واسع، لكنه في الوقت ذاته يراكم شعورًا أوروبيًا متناميًا بالإحباط والإهانة السياسية.

خيار غير واقعي

المفارقة أن الطرفين يعلمان أن القطيعة الكاملة خيار غير واقعي. فالتشابك الاقتصادي العميق، إلى جانب التحديات العالمية المشتركة - من الحرب في أوكرانيا، إلى أزمات الشرق الأوسط، وصولًا إلى صعود الصين - يجعل من الانفصال مسارًا بالغ الكلفة. غير أن ما يجري اليوم هو أشبه بإعادة تفاوض غير معلنة على قواعد العلاقة؛ تفاوض لا تُدار فيه الخلافات بقدر ما تُختبر فيه حدود القوة والقدرة على التحمل.

في المحصلة، لا تمثل التوترات الراهنة أزمة ظرفية، بل مرحلة انتقالية فاصلة. فإما أن تنجح أوروبا في تحويل تذمرها السياسي إلى مشروع سيادي متماسك يفرض على واشنطن علاقة شراكة حقيقية، أو تبقى عالقة في موقع “الشريك التابع” الذي يحتج كثيرًا ويغيّر قليلًا. أما الولايات المتحدة، فإن استمرارها في إدارة الحلفاء بعقلية الضغط والتهديد قد يضمن لها انضباطًا مؤقتًا، لكنه يسرّع، على المدى البعيد، تفكك النظام الغربي الذي قادته لعقود.


مشاهدات 66
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/02/02 - 4:12 PM
آخر تحديث 2026/02/03 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 47 الشهر 1549 الكلي 13933193
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير