الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مقاربة بين التجربة العربية والأدب العالمي.. قصيدة سأعبر جسر التنهدات الشاعر حسن عاتي الطائي


مقاربة بين التجربة العربية والأدب العالمي.. قصيدة سأعبر جسر التنهدات الشاعر حسن عاتي الطائي

عبدالكريم الحلو  

 

القصيدة :

سأعبر جسر التنهدات

 حسن عاتي الطائي

 

سأستدعي أسئلة تثير الدهشة

تباغت الشكوك والهواجس

لا تتطلب

       . اجابات

                     محددة

أسئلة مشاكسة

لا تثير الريبة

لكنها فقط:

              تلد

            أسئلة

           جديدة !...

ـ************

سأعبر جسر" التنهدات"

مقتفيا آثار جراحي

يرافقني الكثير ممن

تورطوا بالبكاء

حاملا معي قلوبا راعفة

أوجعها الغياب

وأحلاما رثة لم تعد

جديرة بالإقتناء

            أكلتها

         القوارض

         وأربكتها

         الفصول

وأسدل على قلقي ستارا

من شجن مر

لا أحد يعترض طريقه

لن

   أقايض

             ما ينتظرني

بما لن يجيء

اذ لا فائدة من التلون

                 ولا

               حياة

             بالوكالة

وهناك الكثير من الفوارق

   بين

         الأمس

                   واليوم

وليس هناك من يغني

أو يبدد مشاعره

على طاولة حزن

              لم

              يعد

           متوهجا

الأمر منوط بي

فلماذا كل هذا التآكل؟!...

 

سأحتفظ بقدرتي على البكاء

على أطلال أوجاعي

 والتخلص من حقائب الرماد

  التي

         تستفز

                  خطاي

ليس من حقي الجمع

بين الثلج والنار

لكني سأجمع بعضي الى بعضي

وأقترح تقاربا

                 بيني

                وبين

                نفسي

 

سأجلس طويلا على حافة الصمت

وأتوقف:

عن محاورة نزيفي

وأعلق فوق

                جبين

                         عطشي

وردة مدججة بالطيور

وأختبيء خلف جناح غيمة

                     معلنا

                   تقاعدي

                  بالأنفصال

                      عني

 

سأدحرج أخطائي

حجرا بعد حجر

وأعطل قاعدة بيانات ضجري

أتدثر بما بقي لدي

من أحلام

           لم

              تعد

                   تتذكرني

أو تأبه لما سيكون عليه صباحي

وأخرج من معطف عزلتي

معتذرا عن سكوني

                            ليكتمل

                                      تحرري

 

سأعبر عن ندمي بالإختفاء

خلف جديلة الأسى

وأحتفي بحزني

أفتح بابي للريح

أعزف لحنا قديما

وأجلس بين يدي ذكرياتي

لأعترف ببرائتي!...

 

سأبريء نفسي من تهمة

التحايل على دمي

وابتكار منطقة محايدة

                 تفصل

                  بيني

                 وبين

                  بيني

وأبقى عاريا إلا من توجسي

أتمتع بعد أن أخرج

من

      قفص

             جلدي

بحقي في عدم

             الإعلان

               عن

          إستسلامي!....

 

                ***********************

 

جسر التنهدات:

عبور الذات بين الرمزية والفلسفة :

مقدمة :

ليس الشعر ما يُقال فقط،

بل ما يُمشَى عليه

وها أنا أقف عند عتبة النص،

قبل أن أعبُر، كأنني أتهيّأ لعبور داخلي

 لا لجسرٍ من كلمات.

 

هنا، حيث التنهدات لا تُسمَع بل تُحَسّ، وحيث الصمت يتقدّم خطوةً على الصوت، يولد الشعر بوصفه فعلَ مواجهة لا زينة لغوية.

 

هذه ليست قصيدة تُقرأ، بل تجربة تُسار

كل سطر فيها حجرٌ على جسرٍ هشّ،

وكل بياضٍ مساحةُ تردّدٍ بين ما قيل

 وما كان يمكن أن يُقال ولم يُقَل.

 

الشاعر لا يروي حكاية،

بل يجرّ الذات إلى محاكمة هادئة،

لا شهود فيها سوى الذاكرة،

ولا حكم فيها سوى الوعي.

 

إنه يمشي ومعه جراحه،

لا ليعرضها، بل ليتأكد

أنها ما زالت تدلّه على الطريق.

 

في هذا النص،

لا نبحث عن نهاية،

بل عن عبور.

ولا عن خلاصٍ جاهز،

بل عن شجاعة الوقوف على حافة النفس،

والنظر إليها دون أقنعة.

 

هنا يبدأ الشعر

حين يصبح التنهد موقفًا،

ويتحوّل الألم من شكوى

إلى معرفة.

 

في هذا الصباح الذي يمرّ بصمت على نوافذ الروح، أجد نفسي أسير على جسورٍ من الحروف والتنهدات، أحاول التقاط ما يتهدّد من نور وظلّ، وما يتسلّل من صمتٍ بين نبضة وأخرى.

 

الكلمات هنا ليست مجرد أدوات، بل مرافئ للأوجاع والمسرات، وللأسئلة التي لا تحتاج إلى إجابات محددة.

 

سأخطّ هذه الصفحات بعينٍ مستيقظة، وقلبٍ يرفض التسامح مع الفراغ، لأن كل كلمة تحمل صدى ذاكرة وشعورًا لم يُعلن بعد عن نفسه.

 

هنا، في هذا العالم الملتبس بين الغياب والحضور، بين البكاء والتحرر، يولد الشعر كـ جسرٍ يعبر فوق هدير الصمت، وعلى أطلال الأسى.

 

قصيدة “جسر التنهدات” تحمل طابعًا تأمليًا وجدانيًا عميقًا، وتستعرض رحلة الذات في مواجهة الألم والغياب والحنين، بأسلوب شعري حر ومكثف بالصور الرمزية.

 

النص يتأرجح بين الحزن الشخصي والوعي الذاتي، في صياغة تجعل القارئ يشعر بأنه يسير مع الشاعر على “جسر التنهدات”، حيث كل خطوة تحمل إعادة تأمل وصوتًا داخليًا.

 

أبرز الملامح النقدية:

1. الذات الشعرية:

النص يقوم على حوار داخلي مع الذات، يظهر الصراع بين الرغبة في البكاء والاحتفاظ بالكرامة، وبين الحاجة للتصالح مع النفس.

 

هناك حضور قوي لـ”الوعي بالذات” الذي يراقب الجراح، ويختار متى ينهار ومتى يواصل السير.

 

2. الصور الرمزية:

 استعارات مثل: “حقيائب الرماد” و”وردة مدججة بالطيور” و*“قفص جلدي”* تضيف بعدًا رمزيًا عميقًا، يعكس الصراع الداخلي والتحرر من القيود النفسية.

 

استخدام الرمزية يجعل النص أكثر عمقًا وإشراقًا في المعنى، إذ يتحول الألم الشخصي إلى تجربة إنسانية عامة.

 

3. اللغة والإيقاع:

الأسلوب حر ومتقطع، يحاكي تدفق الوعي، ويتيح مساحة للتنفس بين المشاعر والأفكار.

 

التكرار المتدرج لعبارات مثل: “سأعبر” و”سأحتفظ” يعكس الإصرار الداخلي على مواجهة الذات والصراع.

 

4. الثيمات الرئيسة:

الاغتراب والغياب:

النص يعكس شعورًا بالانفصال عن الذات وعن العالم، مع محاولة للحفاظ على الهوية الداخلية.

 

التصالح مع النفس:

رغم الألم، هناك رحلة نحو التقدير الذاتي والتحرر الداخلي.

 

البكاء والتحرر:

الرمزية هنا توحي بأن الألم ليس فقط للحزن، بل مدخل للتجربة الإنسانية المتكاملة.

 

5. البعد الفلسفي:

النص يتناول الوجودية الشخصية؛ البحث عن معنى الحزن، والقدرة على مواجهة الذات، وإعادة ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر.

 

أولاً ؛

 القراءة السيميائية والفلسفية

 

الرموز الأساسية:

1. الجسر

رمز فلسفي مركزي في النص، يمثل العبور بين الوعي واللاوعي، الماضي والحاضر، الحزن والتحرر.

جسر التنهدات ليس مكانًا فيزيائيًا، بل فضاء نفسي يربط الذات بأطياف الألم والذاكرة.

 

2. الرماد والثلج والنار

الرماد:

الماضي المؤلم، الوجع الذي يستقر داخل النفس.

 

الثلج:

الصمت، الجمود، الانفصال عن العالم.

 

النار:

الرغبة في التحرر والتحول، لكن مع مخاطرة الألم.

 

هذه العناصر الثلاثة تشكّل نظامًا رمزيًا يعكس الصراع الداخلي بين الحفظ والتحرر، بين الانكسار والذاتية المتماسكة.

 

3. وردة مدججة بالطيور

قفص جلدي ، استعارة للحرية والرغبة في الهروب من قيود الذات.

 

تعكس فلسفة وجودية شبيهة بأفكار  (  سورين كيركيغارد  )  حول مواجهة الذات في لحظات العزلة، حيث يُصبح الانعزال فضاءً للتأمل والوعي بالوجود.

 

البنية السيميائية:

النص قائم على التكرار التفاعلي للذات مع صورها الرمزية: “سأعبر… سأحتفظ… سأجلس…”

 

كل فعل يرمز إلى محاولة التوازن بين ما هو داخلي وما هو خارجي، أي بين الذات والواقع.

 

البنية هنا تشبه الخريطة الرمزية للنصوص اليابانية مثل أعمال ماتسوو باشو، حيث الطبيعة والرموز اليومية تصبح فضاءً فلسفيًا للوعي والتأمل.

 

ثانياً :

 المقارنة مع الأدب الأوروبي

مثال:

عالم جديد” – فرانتس كافكا

  The Metamorphosis

 

في كلا النصين، الذات تواجه اغترابًا داخليًا وخارجيًا، ويصبح الصمت والانعزال فضاءً رمزيًا للوعي.جج

التباعد بين الفرد وذاته، بين ما يتوقعه العالم وما يعيشه الشخص، يشبه المسار الرمزي في “جسر التنهدات”، حيث لا يمكن للذات أن تعيش بالوكالة، بل عليها أن تختبر الألم والتحرر بنفسها.

 

مثال فلسفي:

جان بول سارتر

 L’Être et le Néant

 

الصراع بين الذات والوجود، بين الحرية والمسؤولية، ينعكس في النص:

لكني سأجمع بعضي إلى بعضي…”ج

الشعر هنا يصبح ممارسة وجودية، حيث اللغة هي الوسيط بين الوعي والعدم، بين الجسر والضفاف الأخرى.

 

ثالثا :

المقارنة مع الأدب الشرقي

 

مثال:

شعر هان شو

الصين الكلاسيكية

استخدام الطبيعة والرموز اليومية (الريح، الغيوم، الثلج، النار) لتجسيد الوعي الذاتي والتحولات النفسية.

مثل ما في نصك: الغيمة، الوردة، الرماد، تشكل مساحات للتأمل الفلسفي لا مجرد وصف واقعي.

 

مثال آخر:

شعر جبران خليل جبران

التركيز على الذات، الوعي، الانفصال عن القيود الاجتماعية، وتجربة الذات في مواجهة الحزن والحب والغياب.


مشاهدات 35
الكاتب عبدالكريم الحلو  
أضيف 2026/02/01 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/02/02 - 1:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 37 الشهر 807 الكلي 13932451
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير